القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢١٤ - فصل فى الأدوية المنبتة للحم في الجراح والقراح
فصل فى الأدوية المنبتة للحم في الجراح والقراح
وقد عرفت خاصية الأدوية المنبة للحم، وأنها كيف ينبغي أن تكون في مزاجها، ويجب أن تستعمل الأدوية المنبتة للحم وقد نقي الموضع عن الأوساخ، ونحوها، وإن لم تكن قاعدة الجراحة إلا العظم، نقي ذلك العظم ويبس في الغاية، ولم يترك فيه كمودة أوفساد إلا قشِر ولا رطوبة إلا جُفّت، وخصوصاً في الرأس، فإن ملامسة العظم ورطوبته أحد أسباب منع ثبات اللحم عليه، وإذا حكّ وخشن كان ما يصير عليه من المادة التي يتولّد منها اللحم أثبت.
واعلم أنه قد يكون دواء ينبت اللحم في بدن أو عضو، ولا ينبت في الآخر وذلك لأنه ربما جفّف في بدن، ولم يجفف في بدن آخر بحسب مزاجي البدنين وعلى ما علمت، كربما أفرط الخلاء في بدن ولم يفرط في بدن، ولم يجفف أصلًا إذ كان هذا الدواء، يحتاج إلى تجفيف ما وإلى جلاء ما مقدرين بحسب البدن غير مطلقين، والشيء المقدر يختلف تأثيره في أشياء ليست متفقة القدر في الانفعال.
وكل مجفف يبسه أقلّ من يبس بدن يعالج به، فإنه أيضاً يقصر عن إنبات لحمه بل يكون أيبس منه، ولذلك صار الكندر لا ينبت في الأبدان اليابسة التي جاوزت الاعتدال في اليبس. والبحرية هي التي تعلم بها ما يكون من الجفاف والوقوف، أو من نبات اللحم على الاستمرار، أو من التوسخ. فإن رأيت تجفيفاً لا يكاد ينبت معه اللحم فرطب يسيراً، وإن وسخ فزد في الدواء اليابس ودع المستمر على قوته.
وربما كان أيضاً لبعض الأبدان مناسبة مع بعض الأدوية غير منطوق بعلّتها، فلذلك يجب أن تخلط أدوية شتى ضعيفة وقوية. وأما اتخاذ المراهم والحاجة إليها فقد علمته، ولا يجب أن تقتصر من الدواء على التجفيف والترطيب، بل تراعي الكيفيتين الفاعلتين على حسب ما قدمنا ذكره، ولا أيضاً على التجفيف والترطيب مع الفاعلتين إلا مع مراعاة مقايسة بين حال القرحة وحال مزاج البدن، فإنه قد يكون البدن رطباً والقرحة يابسة، وقد يكون البدن يابساً والقرحة رطبة، وقد يكونان رطبين وقد يكونان يابسين، فتستعمل في الأول ما هو أضعف مثل الكندر ودقيق الباقلاء، ودفيق الشعير ونحوه.
وإن كان البدن يابساً والقرحة رطبة جداً، فيحتاج إلى أدوية شديدة التجفيف بالقياس إلى الأدوية المنبتة للحم، مثل الزراوند وأصل الجاوشير والزاج المحرق، وفي الباقي يحتاج إلى، المتوسطات كالإيرسا ودقيق الترمس.
وقد يتفق أن يكون بعض الأدوية فيه شيء من خصال تحتاج إليها الأدوية المنبتة للحم من تجفيف وجلاء، ولكن يفرط فتصير مثلًا لتجفيفه الشديد حابساً للوضر ومانعاً للمادة، ولفرط جلائه أكالًا، فإذا خلط به غيره مما يضاده، كسر منه وعدله فصار منبتاً، مثل الزنجار، فإنه إذا