القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٧٢ - فصل في الخراجات الحارة
فصل في الخراجات الحارة
والخراج من جملة الدبيلات ما جمع من الأورام الحارة، فكان اسم الدبيلة يقع على كل تورم يتفرغ في باطنه موضع تنصب إليه مادة ما، فتبقى فيه أية مادة كانت. والخراج ما كان من جملة ذلك حاراً، فيجمع المدة وقد يبتدىء الورم الحار كما هو جمع وتفرق اتصال باطن، وقد لا يبتدىء كذلك بل يبتدىء في ابتداء الأورام الحادة الصحيحة، ثم يَؤول أمره عند المنتهى أن يأخذ في الجمع.
ولنؤخر الكلام في الدبيلات البارعة التي تحتوي على أخلاط مخاطية وجصية وحصويه ورملية وشعرية وغير ذلك، وعلى أن من الناس من خص باسم الدبيلات ما فيه أخلاط من هذا الجنس.
لكنا الآن نتكلم فيما يجمع المدة، فإن هذا ابتدأ إخراجاً لمادة دفعتها الطبيعة، فلم يمكن أن تنفذ في الجلد ولا أن يتشربها اللحم، بل فرقت لها اتصالًا لغلظها تفريقاً ظاهراً، فاسكتنت في خلل ما يتفرق وفي الأكثر يظهر لها رأس محدد، وخصوصاً إن كانت المادة حادة. وهذه الخراجات تبتدي فتجمع المدة ثم تنضج المدة ثم تنفجر، وربما احتاجت إلى تقوية في الإنضاج والإنفجار، وربما لم تحتج.
وكلما كان الخراج أشدّ ارتفاعاً واحمراراً وأحد رأساً، فالخلط المحدث له أشدّ حرارة، وهو أسرع نضجاً وتحللًا وانفجاراً، وخصوصاً الناتئ البارز الصنوبري، وما كان بالخلاف مستعرضاً غائصاً قليل الحمرة فهو غليظ المادة، رديء مائل إلى باطن قليل الوجع ثقيل الحركة، وأردأ هذا ما كان انفجاره إلى باطن، فيفسد ما يمر عليه ومنه ما يندفع إلى الجانبين، وأحد انفجاره ما كان إلى التجويف الخاص بالعضو الذي له مسيل إلى خارج مثل خراج المعدة، ولأن ينفجر إلى باطنه وتجويفه خير من أن يتفجر إلى ظاهره، وإلى. التجويف المحيط به المراق.
وكما أن الإنفجار الدماغي إلى التجويفين المقدمين أحمد، لأن لهما منفذاً مثل منفذ الأنف والأذن والقمع إلى الفم، وإذا انفجر إلى الفضاء المحيط بالدماغ أو إلى البطن المؤخر، لم يجد منفذاً إلى خارج وأضر ضرراً شديداً، وليس كل عضو صالحاً لأن يحدث فيه خراج، فإن المفاصل يقلّ خروج الخراج فيها، لأن فيها أخلاطاً مخاطية، ومكانها واسع غير خانق للمادة، ولا حابس ليخرج إلى العفن، فإن خرج هناك خراج فلأمر عظيم وشر الخراجات وأخبثها ما خرج على أطراف العل الكثيرة العصب.
والخراجات تختلف مدة نضج مدتها بحسب الخلط في لطافته وغلظه، والمزاج في حره وبرده واعتداله، وبحسب الفصل والسن وجوهر العضو. وإنما لا ينضج الخراج ويستحيل ما فيه