شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨٦
انقطاع، و قد توسع المسلمون في عصورهم الأولى في فهم مهمة المسجد، فاتخذوه مكانا للعبادة و مكانا للتعليم، و دارا للقضاء، و ساحة تتجمع فيها الجيوش، و منزلا لاستقبال السفراء.
و من أجل ذلك توسع المسلمون في بناء المساجد، فبنى عمرو بن العاص مسجده في القاهرة سنة ٢١ ه، و في عهد مبكر جدا جلس فيه سليمان بن عز التجيبي ليعظ الناس و يبصرهم بأمور دينهم و دنياهم.
و في عام ١٤٥ ه بنى المنصور الخليفة العباسي مسجده فأصبح قبلة أنظار الأساتذة و الطلاب في ذلك العهد .. و مما يدل على ذلك، أن الخطيب البغدادي لما حج شرب من ماء زمزم و سأل اللّه أن يحقق له ثلاث حاجات، كان من بينها أن يتاح له أن يملي الحديث بجامع المنصور.
و قريب من هذا التاريخ أنشئ مسجد دمشق، و الذي كان يعد واحدا من عجائب الدنيا الأربع في ذلك العهد، و كان مركزا هاما من مراكز الثقافة في العالم الإسلامي.
يحدثنا ابن جبير عنه فيقول: و فيه حلقات للتدريس للطلبة، و للمدرسين فيها إجراء واسع، و للمالكية زاوية للتدريس في الجانب الغربي يجتمع فيها الطلبة المغاربة و لهم إجراء معلوم .. إلخ.
و في سنة ٣٦٠ ه بنى جوهر الصقلي الجامع الأزهر، و قد خصص منذ سنة ٣٧٨ ه للدراسات و الأبحاث العلمية، و ظل من ذلك التاريخ حتى العهد الحاضر جامعة من الجامعات الأولى في العالم الإسلامي.
و لقد فضل المسلمون المسجد على غيره ليكون مكانا للعبادة و تلقي العلم.
يقول العبدري في كتابه (المدخل): «أفضل مواضع التدريس هو المسجد، لأن الجلوس للتدريس إنما فائدته أن تظهر به سنة، أو تخمد به بدعة، أو يتعلم به حكم من أحكام اللّه تعالى. و المسجد يحصل فيه هذا الغرض متوفرا، لأنه موضع الناس رفيعهم و وضيعهم، عالمهم و جاهلهم».