شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٠١
نفسه عن النظر ضروريا و إن كان طرفاه بالكسب على ما تقرر عند الجمهور من أن التصديق الضروري ما لا يتوقف بعد تصور الطرفين على نظر و كسب [١] و عبارة المواقف و هو أن البعض ضروري بالوجدان و البعض نظري بالضرورة ربما يوهم أن الثاني ليس بالوجدان، لكن المراد ما ذكرنا- و فسر القاضي أبو بكر [٢] العلم الضروري بما يلزم نفس المخلوق لزوما لا يجد إلى الانفكاك عنه سبيلا، و قيد بالمخلوق لأن الضروري و النظري من أقسام العلم الحادث، و اعترض عليه بأن النفس قد تنفك عن العلم الضروري، بأن يزول بعد الحصول لطريان شيء من أضداد العلم كالنوم و الغفلة، و بأن لا يحصل أصلا لانتفاء شرط من شرائطه مثل التوجه و تصور الطرفين، و استعداد النفس، و الإحساس و التجربة و نحو ذلك مما يتوقف عليه بعض الضروريات.
و أجيب بأن المراد أنه لا يقتدر على الانفكاك، و الانفكاك فيما ذكرتم من الصور [٣] ليس بقدرة المخلوق و هذا ما قال في المواقف أن عبارته مشعرة بالقدرة يعني يفهم من قولنا يجد فلان سبيلا إلى كذا أو لا يجد أنه يقتدر عليه أو لا يقتدر و الحاصل أن إطلاق الضروري على العلم مأخوذ من الضرورة. بمعنى عدم القدرة على الفعل و الترك كحركة المرتعش. و لذا قد يفسر بما لا يكون تحصيله مقدورا للمخلوق إلا أن قيد الحصول مراد هاهنا بقرينة جعل الضروري من أقسام العلم الحادث، و مصرح في عبارة القاضي [٤] ليخرج العلم بمثل تفاصيل الاعداد و الاشكال مما لا قدرة للعبد على تحصيله، و لا على الانفكاك عنه.
[١] سقط من (ب) و كسب.
[٢] القاضي أبو بكرمحمد بن الطيب بن محمد بن جعفر قاضي من كبار علماء الكلام انتهت إليه الرئاسة فيمذهب الأشاعرة. ولد في البصرة عام ٣٣٨ ه و سكن بغداد فتوفي بها عام ٤٠٣ ه.وجهه عضد الدولة سفيراعنه إلى ملك الروم فجرت له في القسطنطينية مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. منكتبه: إعجاز القرآن، و الإنصاف، و كشف أسرار الباطنية، و غير ذلك. رحمه اللّه. (راجع وفيات الأعيان ١:٤٨١).
[٣] سقط من (ب) كلمة(من الصور).
[٤] القاضي: هو أبو بكرالباقلاني.