شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٩
و لم يكتف أبو حامد بهذا الكلام، بل يقدم الدليل على صدق ما يقول، و يتجه إلى صدر الإسلام حيث الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و مجالس الصحابة، فيقول: جاء أعرابي إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم جاحدا به منكرا، فما وقع بصره على وجهه الكريم إلا و رآه يتلألأ بأنوار النبوة. قال:- «و اللّه ما هذا بوجه كاذب».
و سأله أن يعرض عليه الإسلام فأسلم.
و جاء آخر إليه عليه الصلاة و السلام و قال: أنشدك اللّه، اللّه بعثك نبيا؟ ..
فقال عليه الصلاة و السلام: أي و اللّه، اللّه بعثني نبيا، فصدقه بيمينه و أسلم.
و هذه و أمثالها أكثر من أن تحصى، و لم يشتغل واحد منهم بالكلام، و تعلم الأدلة. بل كان يبدو نور الإيمان بمثل هذه الأشياء في قلوبهم لمعة بيضاء، ثم لا تزال تزداد إشراقا بمشاهدة تلك الأجوبة السديدة، و تلاوة القرآن، و تصفية القلوب. يقول الإمام الغزالي:
«فليت شعري متى نقل عن رسول اللّه أو عن الصحابة رضوان اللّه عليهم أن قالوا لمن جاءهم مسلما.
الدليل على أن العالم حادث.
أنه لا يخلو عن الأعراض.
و ما لا يخلوا عن الحوادث حادث» [١] ..؟
إن ذلك لم يحدث قط، و لم يتواتر عن أحد منهم، إن علم الكلام لم يأمر به الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و لا تناوله الصحابة من بعده حتى قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه ناهيا عن ذلك:
«لأن يبتلى العبد بكل ما نهى اللّه عنه، ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام» [٢].
[١] راجع فيصل التفرقة بين الإسلام و الزندقة ص ٨٩.
[٢] تلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٨٩.