شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣٨
بغير قدرة العبد و اختياره، حتى لو كان التذكر بقصد العبد لكان مولدا، فيصير الحاصل أن هذا قياس مركب، و هو أن يكون حكم الأصل متفقا عليه بين المستدل و الخصم، لكن يعلل عند كل منهما بعلة أخرى، و الخصم بين منع وجود الجامع بين الأصل و الفرع، إذ ابتداء النظر لا يشارك تذكره في عدم المقدورية و بين منع وجود الحكم في الأصل؛ أي لا نسلم أن التذكر لا يولد العلم عند كونه بقدرة العبد، و إنما ذلك عند كونه سانحا للذهن من غير قصد [١] العبد فإنه يكون فعل اللّه تعالى. فلو قلنا:- يتولد العلم عنه لكان أيضا فعل اللّه تعالى، فلا يصح تكليف العبد به، و في نهاية العقول [٢] ما يشعر بأن علة عدم التوليد في التذكر هو لزوم اجتماع الموجبين على أثر واحد، لأنه قال: التذكر عبارة عن وجود علمين أحدهما العلم بالمقدمات التي سبقت، و الآخر العلم بأنه كان قد أتى بتلك العلوم، ثم ليس أحد العلمين أولى بالتوليد من الآخر، فيلزم أن يكون كل منهما مولدا للعلم بالنتيجة، و هو محال.
و يجوز أن يكون العلة هو لزوم حصول الحاصل [٣] إذ التذكير إنما يكون بعد النظر، و قد حصل به العلم، و على هذا لا يكون التذكر مفيدا للعلم أصلا، و عند الفلاسفة هي بطريق الوجوب، لتمام القابل مع دوام الفاعل، و ذلك أن النظر يعد الذهن لفيضان العلم عليه من عند واهب الصور، الذي [٤] هو عندهم العقل الفعال [٥] المنتقش بصور الكائنات، المفيض على أنفسنا [٦]
[١] القصد: إتيانالشيء و بابه ضرب. و قصد قصدا أي نحا نحوه، و القاصد القريب. يقال: بيننا و بينالماء ليلة (قاصدة) أي هينة السير، لا تعب فيها و لا بطء. و القصد: بين الاسراف والتقتير.و القصد: العدل.
[٢] كتاب نهاية العقولفي الكلام في دراية الأصول: يعني أصول الدين للإمام فخر الدين بن محمد الرازيالمتوفى سنة ٦٠٦ ه. رتّبه على عشرين أصلا و أول الكتاب: أما بعد حمدا للّه علىتسابق آلائه و تلاحق نعمائه.
[٣] في (ب) إن بدلا من(إذ).
[٤] في (ب) بزيادة(يسمى).
[٥] العقل الفعال عندالفلاسفة: هو الذي تفيض عنه الصور على عالم الكون و الفساد، فتكون موجودة فيه منحيث هي فاعلة. أما في عالم الكون و الفساد فهي لا توجد إلا من جهة الانفعال.و إذا أصبح العقلالإنساني شديد الاتصال بالعقل الفعال كأنه يعرف كل شيء من نفسه سمي بالعقل القدس،و هذا كله يذكرنا بقول أرسطو: إن العقل الفاعل: هو العقل الذي يجرد المعاني أوالصور الكلية من لواحقها الحسية الجزئية على حين أن العقل المنفعل هو الذي تنطبعفيه هذه الصور.
[٦] في (ب) على نفوسنا.