شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٢
المبحث الرابع في التوصل بالنظر إلى معرفة اللّه تعالى
(قال: المبحث الرابع: لا خلاف بين أهل الإسلام في وجوب النظر في معرفة اللّه تعالى لكونه مقدمة مقدورة للمعرفة الواجبة مطلقا، أما عندنا [١] فبالشرع [٢] بالنص و الإجماع [٣] إذ حكم العقل معزول لما سيجيء، و أما عند المعتزلة فعقلا لكونها دافعة لضرر خوف العقاب و غيره، ورد بمنع الخوف في الأغلب لعدم الشعور، و لو سلم فالخوف بحالة لاحتمال الخطأ و كون العارف أحسن حالا ليس على إطلاقه بل البلاهة أدنى إلى الخلاص، كما في الصبي و المجنون، و قد ينازع في إمكان إيجاب المعرفة لما فيه من تحصيل الحاصل أو تكليف الغافل، و في الإجماع على وجوبها، فلقد كانوا يكتفون بالتقليد و الانقياد و في أن النظر مقدمها فقد تحصل بمثل التعليم و الإلهام، و في إطلاق وجوبها إذ هو مقيد بالشك أو عدم المعرفة، و في وجوب المقدمة لجواز إيجاب الأصل مع الذهول عنها، فيجاب بأنه لا غفلة مع فهم الخطاب،
[١] أهل السنة: الذين يلتزمون بكتاب اللّه تعالى و سنة رسوله صلّى اللّه عليه و سلم.
[٢] المبعوث به النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و من دليل النص قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فإنه يدل على نفي العقاب قبل بعثة الرسول. و نفي العقاب يستلزم نفي ملزومه و هو التكليف إذ لا عقاب إلا مع تكليف، و نفي التكليف يستلزم نفي الوجوب فإذا هو نوع منه قبل الشرع فيكون حصوله بالشرع إذ لا قائل بثبوته بغير العقل و الشرع، فإذا انتفى بالعقل لزم ثبوته بالشرع و هو المطلوب و من الدليل قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ لأنه أمر بالمعرفة و كل أمر فهو للوجوب حقيقة.
[٣] لقوله صلّى اللّه عليه و سلم: «أمتي لا تجتمع على ضلالة».