شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٧٠
و لا يجب ما لم أنظر، لأن وجوبه نظري، يفتقر إلى ترتيب المقدمات، و تحقيق أن النظر يفيد العلم مطلقا، و في الإلهيات سيما إذا كان طريق الاستدلال ما سبق من أنه مقدمة للمعرفة الواجبة مطلقا، فإن قيل: بل هو من النظريات الجلية التي يتنبه لها العاقل بأدنى التفات أو إصغاء إلى ما يذكره الشارع من المقدمات قلنا:
لو سلم فله أن لا يلتفت، و لا يصغي فيلزم الإفحام.
و ثانيا: بالحل و هو تعيين موضع الغلط، و ذلك أن صحة إلزامه النظر إنما تتوقف على وجوب النظر، و ثبوت الشرع في نفس الأمر، لا على علمه بذلك، و المتوقف على النظر هو علمه بذلك، لا تحققهما في نفس الأمر، فهو إن أراد نفس الوجوب و الثبوت لم يصح قوله لا يثبت الشرع ما لم أنظر، و إن أراد العلم بهما لم يصح قوله لا أنظر ما لم يجب، و إن أراد [١] من الوجوب التحقق، و في الثبوت العلم به لم يصح قوله لا يجب عليّ ما لم يثبت الشرع، لأن الوجوب عليه لا يتوقف على العلم بالوجوب، ليلزم توقفه على العلم بثبوت الشرع، بل العلم بالوجوب يتوقف على الوجوب لئلا يكون جهلا، و هذا ما قال في المواقف: إن قولك لا يجب عليّ ما لم يثبت الشرع.
قلنا: إن هذا القول. إنما يصح لو كان الوجوب عليه موقوفا على العلم بالوجوب.
فقوله قلنا ... الخ، خبر إن و العائد اسم الإشارة، و إن خص إرادة العلم بقوله لا يثبت الشرع ما لم أنظر، و إرادة التحقق بقوله لا أنظر ما لم يجب، صحت جميع المقدمات لكن تختل [٢] صورة القياس لعدم تكرر الوسط، فهذا قياس صحة مادته في فساد صورته و بالعكس.
[١] في (أ) في بدلا من (من).
[٢] تحتل و هو تحريف.