شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٣
و الإجماع على وجوب المعرفة متواتر الاكتفاء [١] إنما كان بالأدلة الإجمالية على أن جواز التبرك للبعض لا ينافي الوجوب في الجملة [٢] و احتياج طرق تحصيل غير الضروري إلى نظر ما ضروري، إذ الحكم مختص بالأغلب و معنى إطلاق الوجوب عدم تقيده بتلك المقدمة، كوجوب الصوم بالنسبة إلى النية و الإقامة و الحج بالنسبة إلى الإحرام و الاستطاعة و المعرفة كيفية لا معنى لإيجابها سوى إيجاب تحصيلها و فيه إيجاب سببها قطعا، و كحز الرقبة في إيجاب القتل و لو اكتفينا بالإجماع على وجوبه لكفينا هذه المئونات).
أي لأجل حصولها بقدر الطاقة البشرية لأنه أمر مقدور يتوقف عليه الواجب المطلق (الذي المعرفة، و كل مقدور يتوقف عليه الواجب المطلق فهو واجب شرعا إذ كان وجوب الواجب) [٣].
المطلق شرعيا كما هو دينا أو عقلا، إن كان عقليا كما هو رأي المعتزلة لئلا يلزم تكليف المحال، أما كون النظر مقدورا فظاهر، و أما توقف المعرفة عليه فلأنها ليست بضرورية بل نظرية- و لا معنى للنظري إلا ما يتوقف على النظر و يتحصل به، و أما وجوب المعرفة فعندنا بالشرع للنصوص الواردة فيه و الإجماع المنعقد عليه و استناد جميع الواجبات إليه، و عند المعتزلة بالعقل لأنها دافعة لضرر الظنون و هو خوف العقاب في الآخرة حيث أخبر جمع كثير بذلك، و خوف
[١] لنقله جمع خلفا عن سلف يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، بل ينبغي أن يكون هذا مما تواطأت عليه ملل الإيمان جميعا. و كيف يصح من مؤمن أن لا يقول بوجوب المعرفة التي هي الإيمان باللّه تعالى ...؟ ثم لو سلم أن النص ظني و الإجماع لنقله الآحاد ظني أيضا، فالوجوب الشرعي يكفي فيه الظن المفاد لما ذكر.
[٢] و يجاب عن الثالث. و هو أن المعرفة لا تتوقف على النظر حتى يجب بوجوبها لحصولها بالتعليم أو الإلهام أو قول المعصوم أو المجاهدة و التصفية، فأجاب بأن كل هذه الأشياء تحتاج إلى نظر ضروري، لأن المعلم يرشد إلى المقدمات و إلى وجه الدلالة، و إلى وجه دفع الشبه و الشكوك، فإذا حصل عند المتعلم ما أرشد إليه، انتقل إلى النتيجة و الانتقال إلى النتيجة بعد إدراك الدليل حصول عن نظر فلم يخل التعلم عن نظر ما بهذا الاعتبار. و كذا الإلهام لا يوثق به حتى يعلم أنه من اللّه تعالى و لا يعلم أنه منه إلا بالنظر.
[٣] ما بين القوسين سقط من (ب).