شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٨
إلى تراث الأمم السابقة كدولة الفرس و اليونان، و عكوفهم على ترجمة هذه الكتب عامل جوهري أيضا في تعريف المسلمين على علم الكلام، و حذقهم لأدواته بل يبالغ البعض فيرى أن هذا العلم نبتت جذوره في دولة اليونان، و غذيت فروعه في مدارسه المختلفة، من أبيقورية، و رواقية، و سفسطائية، ثم زحف على الأمة الإسلامية فيما زحف، فكان و الحق يقال: لفكرها مشتتا، و لرأيها مفرقا، و لوحدتها ممزقا و بقي إلى يومنا هذا علما يعرف به من يشتغلون في البحث عن العقائد و الملل المختلفة، و ممن تستهويهم حقائق الوجود، و مغلقات الكون و غير ذلك من الأبحاث الفلسفية. أضف إلى ذلك أيضا، تسرب الأفكار اليهودية و المسيحية إلى بعض مفكري المسلمين، عن طريق الحوار و الاحتكاك، و من هذه الأفكار ما رددته الجهمية: أن الإنسان مجبور تماما على فعل أفعاله، و هي تنسب إليه كما تنسب الأفعال إلى الجمادات.
و ما رددته المعتزلة: أن الإنسان يفعل الأفعال باختياره، و يخلقها بقدرته.
و هذان المذهبان في نفي القدر و إثباته، هما مذهب الأبيقوريين القائلين بحرية الإرادة، و مذهب الرواقيين القائلين بأن الإنسان مسير لا مخير.
ثم مذهبان مماثلان لليهود: فمنهم الربانيون ينفون القدر، و القراءون يقولون بالجبر.
ثم مذهبان تاليان مسيحيان، فالمسيحيون الشرقيون يقولون: إن الإنسان مخير، و الآخرون يقولون بالجبر [١].
لقد نادى جهم بن صفوان بخلق القرآن، و رددت مدرسة الاعتزال ما قاله جهم، و استعانت بنفوذ السلطة الحاكمة لإجبار المسلمين على ذلك، و لم يكن ذلك إلا ترديد للأفكار اليهودية المنحرفة.
و المؤرخون يروون في صدد فكرة خلق القرآن سلسلة يصل سندها إلى لبيد بن أعصم اليهودي القائل بخلق التوراة.
[١] راجع في ذلك كتاب أحمد بن حنبل للأستاذ عبد الحليم الجندي ص ٤٠٥ و ما بعدها.