شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٦
ثبت جواز الاكتفاء بالتقليد في حق البعض فهو لا ينافي وجوب المعرفة بالنظر و الاستدلال في الجملة. هذا و الحق أن المعرفة بدليل إجمالي به [١] يرفع الناظر عن حضيض التقليد فرض عين لا مخرج عنه لأحد من المكلفين، و بدليل تفصيلي يتمكن معه من إزاحة الشبه و إلزام المنكرين، و إرشاد المسترشدين فرض كفاية، لا بدّ من أن يقوم به البعض.
الثالث: أنا لا نسلم أن المعرفة الكاملة لا تحصل إلا بالنظر، بل قد تحصل بالتعليم على ما يراه الملاحدة، أو بالإلهام على ما يراه البراهمة [٢] أو بقول الإمام المعصوم على ما يراه الشيعة [٣] أو بتصفية الباطن بالرياضات و المجاهدات، على ما يراه المتصوفة [٤].
و الجواب: أنا نعلم بالضرورة أن تحصيل غير الضروري من العلوم يفتقر إلى نظر ما ظاهر أو خفي، أما التعليم فظاهر، لأنه ليس إلا إعانة للغفل بالإرشاد
[١] سقط من (أ) لفظ (به).
[٢] الديانة العظمى في الهند تسمى «الهندوسية أو الهندوكية و قد تمثلت فيها تقاليد الهند و عاداتهم و أخلاقهم و أطلق عليها «البرهمية» ابتداء من القرن الثامن قبل الميلاد نسبة إلى (براهما) و هو القوة العظيمة السحرية الكامنة التي تطلب كثيرا من العبادات كقراءة الأدعية و إنشاد الأناشيد و تقديم القرابين. و من (براهما) اشتقت الكلمة (البراهمة) لتكون علما على رجال الدين الذي كان يعتقد أنهم يتصلون في طبائعهم بالعنصر الإلهي و هم لهذا كانوا كهنة الأمة لا تجوز الذبائح إلا في حضرتهم و على أيديهم، (راجع فلسفة الهند القديمة. محمد عبد السلام. ٢٥٦).
[٣] الشيعة: الذين شايعوا عليا عليه السلام على قتال طلحة و الزبير و عائشة و معاوية و الخوارج و كانوا في حياة علي رضي اللّه عنه ثلاث فرق الأولى: و هم الجمهور الأعظم يرون إمامة أبي بكر و عمر و عثمان إلى أن غير السيرة و أحدث الأحداث. و الثانية: أقل من الأولى عددا يرون الإمام بعد الرسول صلّى اللّه عليه و سلم عليا رضي اللّه عنه. و من هذا نعلم أن أكثر الشيعة لا يقدمون عليا على سائر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و يفضلونه على عثمان.
[٤] التصوف: قال: أبو بكر الكتاني: التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء. و يقول أبو الحسين النووى: ليس التصوف رسما و لا علما و لكنه خلق. لأنه لو كان رسما لحصل بالمجاهدة، و لو كان علما لحصل بالتعليم و لكنه تخلق بأخلاق اللّه.
(راجع المنقذ من الضلال تحقيق د. عبد الحليم محمود. ص ١٧٩).