شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٠٠
العلم و هو المسمى بالحكم و التصديق، و حقيقته إذعان النفس و قبولها لوقوع النسبة أو لا وقوعها. و يعبر عنه بالفارسية (بگرويدن) على ما صرح به ابن سينا [١] و هذا ما قال في الشفاء: التصور في قولك: البياض عرض، هو أن يحدث في الذهن صورة هذا التأليف و ما يؤلف منه كالبياض و العرض.
و الصديق، هو أن يحصل في الذهن نسبة هذه الصورة إلى الأشياء أنفسها أنها مطابقة لهما. و التكذيب يخالف ذلك، و في هذا الكلام إشارة [٢] إلى أن مدلول الخبر و القضية هو الصدق و إنما الكذب احتمال عقلي. و ليس فيه انحصار التصديق في المطابق كما توهم، إذ لا يلزم من حصول الشيء كالمطابقة مثلا في النفس تحققه في الواقع.
(قوله: و الضرورة قاضية بانقسام كل منهما إلى النظري المفتقر إلى النظر و الضروري المستغنى عنه، و قد يفسر الضروري بما يلزم نفس المخلوق لزوما لا يجد إلى الانفكاك عنه سبيلا، أي لا يقدر على الانفكاك عنه أصلا فلا يرد زوال الضرورى بطريان ضده أو عدم حصوله لفقد شرط و لا لزوم النظري بعد الحصول من غير اقتدار على الانفكاك حينئذ لوجود الاقتدار قبل ذلك) [٣].
يعني أن كلا من التصور و التصديق ينقسم إلى النظري و الضروري لأنا نجد [٤] في أنفسنا احتياج بعض التصورات و التصديقات إلى النظر كتصور الملك و الجن، و التصديق بحدوث العالم، و استغناء بعضها عنه كتصور الوجود و العدم، و التصديق بامتناع اجتماع النقيضين.
و المراد الاحتياج و الاستغناء بالذات، حتى يكون الحكم المستغني في
[١] ابن سينا: الحسينبن عبد اللّه أبو علي شرف الملك، الفيلسوف الرئيس، صاحب التصانيف في الطب و المنطقو الطبيعيات و الإلهيات أصله من بلخ، و مولده في إحدى قرى بخاري. نشأ و تعلم بها وطاف البلاد و ناظر العلماء. و تقلد الوزارة في همدان من كتبه: الإرشادات رسالة فيالحكمة، و أرجوزة في المنطق، و لحمودة غرابة (ابن سينا بين الدين و الفلسفة) توفيسنة ٤٢٨ ه.
[٢] في (ب) إرشاد بدلامن (إشارة) و هو تحريف.
[٣] زيد في (أ) ما بينالقوسين.
[٤] في (أ) (من) بدلامن (في).