شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٤٨
العاقل و المعقول، سواء كان العلم عبارة عن حصول صورة الشيء في العقل، أو عن إضافة مخصوصة بين العاقل و المعقول، أو عن صفة ذات إضافة [١]، و التعلق بين العاقل و بين العدم الصرف محال بالضرورة. فلا بد للمعقول من ثبوت في الجملة، و لما امتنع ثبوت الكليات بل سائر المعدومات سيما الممتنعات في الخارج تعين كونه في الذهن.
فإن قيل: في رد هذا الجواب أن المعقولات التي لا وجود لها في الخارج لا يلزم أن تكون موجودة في الذهن، لجواز أن تكون صورا [٢] قائمة بأنفسها، كالمثل المجردة الأفلاطونية [٣] على ما سيأتي. في بحث الماهية، و كالمثل المعلقة التي يقول بها بعض الحكماء، زعما منهم أن لكل موجود شبحا في عالم المثال. ليس بمعقول و لا محسوس على ما سيأتي في آخر المقصد.
الرابع: أو قائمة ببعض المجردات كما تدعيه الفلاسفة من ارتسام صور الكائنات في العقل الفعال، و ينبغي أن يكون هذا مراد الإمام بالأجرام الغائبة عنا، و إلا فقيام المعدومات بالأجسام مما لا يعقل.
قلنا: الكلام في المعدومات سيما الممتنعات، و لا خفاء في امتناع قيامها بأنفسها بحسب الخارج، و لا بالعقل الفعال بهوياتها، إذ لا هوية للممتنع بل غاية الأمر أن يقوم به تصورها بمعنى تعقله إياها، و هو يستلزم المطلوب من جهة استلزامه كون التعقل بحصول الصورة في العاقل، فترتسم الصورة في القوة
[١] في (ب) تعلق بدلا من (إضافة).
[٢] سقط من (أ) صورا.
[٣] المثل الأفلاطونية مبدأ المعرفة و مبدأ الوجود معا، فهي مبدأ المعرفة لأن النفس لا تدرك الأشياء و لا تعرف كيف تسميها إلا إذا كانت قادرة على تأمل المثل. و هي مبدأ الوجود، لأن الجسم لا يتعين في نوعه إلا إذا شارك بجزء من مادته في مثال من المثل.
و المثال عند «أفلاطون» صورة مجردة، و حقيقة معقولة أزلية ثابتة قائمة بذاتها لا تتغير و لا تندثر و لا تفسد: قال الفارابي: إن أفلاطون في كثير من أقاويله يومئ إلى أن للموجودات صورا مجردة في عالم الإله و ربما يسميها بالمثل الإلهية.
(راجع كتاب الجمع بين رأي الحكيمين).