شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٤
ما يترتب في الدنيا على اختلاف الفرق في معرفة الصانع من المحاربات و هلاك النفوس و تلف الأموال، و كل ما يدفع الضرر المظنون بل المشكوك واجب عقلا، كما إذا أراد سلوك طريق فأخبر بأن فيه عدو أو سبعا ورد بمنع ظن الخوف في الأعم الأغلب إذ لا يلزم الشعور بالاختلاف و بما يترتب عليه من الضرر و لا بالصانع و بما رتب في الآخرة من الثواب و العقاب و الإخبار بذلك إنما يصل إلى البعض و على تقدير الوصول لا رجحان لجانب الصدق لأن التقدير عدم معرفة الصانع و بعثة الأنبياء و دلالة المعجزات، و لو سلم ظن الخوف فلا نسلم أن تحصيل المعرفة يدفعه لأن احتمال الخطأ قائم، فخوف العقاب أو الاختلاف بحاله و العناء لزيادة.
فإن قيل: لا شك أن من حصل المعرفة أحسن حالا ممن لم يحصل لاتصافه بالكمال و تحصيل الأحسن واجب في نظر العقل.
قلنا: نعم إذا حصلت المعرفة على وجهها و لا قطع بذلك بل ربما يحصل [١] و يقع في أودية الضلال فيهلك. و لهذا قيل البلاهة [٢] أدنى إلى الخلاص من فطانة [٣] بتراء، هذا بعد تسليم وجوب الأحسن و تقرير السؤال على ما ذكرنا تتميم للدليل المذكور، لبيان وجوب المعرفة، و على ما في المواقف و هو أن الناظر أحسن حالا ابتداء دليل على وجوب النظر عقلا، و أورد على هذا الاستدلال إشكالات بعضها غير مختص به و لا مفتقر إلى حله، لكونه منعا على مقدمات مثبتة [٤] مقررة، مثل إفادة النظر العلم مطلقا و في الإلهيات و بلا معلم، و إمكان تحقق الإجماع و نقله، و كونه حجة و بعضها مختص به مفتقر إلى دفعه.
و هي خمسة:
[١] سقط من (ب) لفظ (يحصل).
[٢] البلاهة في اللغة: ضعف العقل، و عجز الرأي، و شرود الفكر. و الأبله الضعيف العقل.
و تطلق البلاهة في علم أمراض النفس على التخلف العقلي، و هي بين العجز و العته.
[٣] الفطنة: كالفهم تقول فطن للشيء يفطن بالضم فطنة، و فطن بالكسر فطنة أيضا. و فطانة و فطانية الفاء فيهما. و رجل فطن بكسر الطاء و ضمها.
[٤] في (ب) مينية بدلا من مثبتة.