شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٨٢
و إذا تعاضد العقل و النقل كان المثبت ما أفاد العلم أولا. و اعلم أن توقف النقل على ثبوت الصانع، و بعثة الأنبياء، إنما هو في الأحكام الشرعية، و فيما يقصد به حصول القطع، و صحة الاحتجاج على الغير، و أما في مجرد إفادة الظن فيكفي خبر واحد، أو جماعة يظن المستدل صدقه كالمنقولات [١] عن بعض الأولياء و العلماء، أو الشعراء و نحو ذلك، حتى لو جعل العلم الحاصل بالتواتر استدلاليا لم يتوقف النقل القطعي أيضا على إثبات الصانع، و بعثة الأنبياء.
(قال: و لا خفاء في إفادة النقل الظن. و أما إفادته اليقين فيتوقف على العام بالوضع و الإرادة و ذلك بعصمة رواة العربية، و عدم مثل النقل و الاشتراك و المجاز، و الإضمار و المعارض من العقلي إذ لا بد معه من تأويل النقل لأنه فرع العقل فتكذيبه تكذيبه نعم قد ينضم إليه قرائن تنفي الاحتمال، فيفيد القطع بالمطلوب، و ينفي المعارض في العقبات مثل: قل هو اللّه أحد، و لا إله إلا اللّه) [٢].
و إنما الكلام في إفادته العلم، فإنها تتوقف على العلم بوضع الألفاظ الواردة في كلام المخبر الصادق للمعاني المفهومة، و بإرادة المخبر تلك المعاني، ليلزم ثبوت المدلول، و العلم بالوضع يتوقف على العلم بعصمة رواة العربية، لغة و صرفا و نحوا، عن الغلط و الكذب، لأن مرجعه إلى روايتهم إذ لا طريق إلى معرفة الأوضاع سوى النقل، أما الأصول أعني ما وقع التنصيص عليه فظاهر، و أما الفروع فلأنها مبنية على الأصول بالقياس، الذي هو في نفسه ظني، و العلم بالإرادة يتوقف على عدم النقل إلى معنى آخر و على عدم اشتراكه بين هذا المعنى و بين معنى آخر [٣].
و على عدم كونه مستعملا بطريق التجوز في معنى غير الموضوع له، و على عدم إضمار شيء يتغير به المعنى، و على عدم تخصيص ما ظاهره عموم الأفراد
[١] في (ب) المقبولات و هو تحريف.
[٢] ما بين القوسين سقط من (ب).
[٣] ما بين القوسين سقط من (ب).