شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٨
الدليل بهما، و إنما لم يورد في المتن لما سيجيء من أن النزاع في مقدورتيهما، و في كون الشك غير واجب.
الخامس: أنا لا نسلم أن مقدمة الواجب المطلق يلزم أن تكون واجبة، لجواز إيجاب الشيء مع الذهول عن مقدمته، بل مع التصريح بعدم وجوبها.
فإن قيل: إيجاب الشيء بدون مقدمته تكليف بالمحال ضرورة استحالة الشيء بدون ما يتوقف عليه، قلنا: المستحيل وجود الشيء بدون وجود المقدمة، و لا تكليف به، و إنما التكليف بوجود الشيء بدون وجوب المقدمة، و لا استحالة فيه.
فإن قيل:- لو لم تجب مقدمة الواجب المطلق لجاز تركها شرعا، مع بقاء التكليف بالأصل لكونه واجبا مطلقا، أي على تقدير وجود المقدمة و عدمها، و لا خفاء في أنه مع عدم المقدمة محال فيكون التكليف به حينئذ تكليفا بالمحال.
قلنا: عدم جواز ترك الشيء شرعا قد يكون لكونه لازما للواجب الشرعي فيكون واجبا بمعنى أنه لا بدّ منه، و هذا لا يقتضي كونه مأمورا به متعلقا بخطاب الشارع على ما هو المتنازع. و الجواب تخصيص الدعوى، و هو أن المأمور به إذا كان شيئا ليس في وسع العبد إلا مباشرة أسباب حصوله، كان إيجابه إيجابا لمباشرة السبب قطعا كالأمر بالقتل، فإنه أمر باستعمال الآلة، و حز الرقبة مثلا، و هاهنا العلم نفسه ليس فعلا مقدورا بل كيفية، فلا معنى لإيجابه إلا إيجاب سببه، الذي هو النظر، و ليس هذا مبنيا على امتناع تكليف المحال حتى يرد الاعتراض بأنه جائز عندكم، و اعلم أنه لما كان المقصود وجوب النظر شرعيا، و قد وقع الإجماع عليه، كما صرحوا به فلا حاجة إلى ما ذكروا من المقدمات، و دفع الاعتراضات بل لو قصد إثبات مجرد الوجوب دون أن يكون بدليل قطعي لكفى التمسك بظواهر النصوص كقوله تعالى:
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [١] قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ .. [٢] إلى غير ذلك.
[١] سورة الروم آية رقم ٥٠ و تكملة الآية: كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها.
[٢] سورة يونس آية رقم ١٠١ و تكملة الآية: وَ الْأَرْضِ وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ.