شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢١٣
بأمر ممكن مستند إلى المشاهدة، كثرة يمتنع تواطؤهم على الكذب، فينضم إلى العقل سماع الأخبار و إلى القضية قياس خفي، هو أنه لو لم يكن هذا الحكم حقا لما أخبر به هذا الجمع.
و أما الحدسيات: فهي قضايا يحكم بها العقل بحدس قوي من النفس يزول معه الشك، و يحصل اليقين بمشاهدة القرائن، كالحكم بأن نور القمر مستفاد من الشمس، لما نرى من اختلاف تشكلات نوره بحسب اختلاف أوضاعه من الشمس، و ذلك أنه يضيء دائما جانبه الذي يلي الشمس و ينتقل ضوؤه إلى مقابلة الشمس، فيحدس العقل بأنه لو لم يكن نوره من الشمس لما كان كذلك، فهي كالمجربات في تكرر المشاهدة و مقارنة القياس الخفي إلا أن السبب في المجربات معلوم السببية غير معلوم الماهية. و في الحدسيات معلوم بالوجهين، إلا أن الوقوف عليه يكون بالحدس دون الفكر، و إلا لكان من العلوم الكسبية، و ستعرف معنى الحدس في بحث النفس.
قال: (و قد تنحصر في البديهيات و المشاهدات لشمولها الكل، أو لأن ضرورية ما سواهما، بل يقينية المجربات و الحدثيات لا تخلو عن نظر، إلا أن المحققين منهم لم يجعلوه من النظريات بل بواسطة [١] و النزاع لفظي، فإن قيل كيف ينازع في المتواتر [٢] و هو نوع من الحسي ..؟ قلنا: الكلام في مضمون الأخبار المسموعة، كوجود مكة مثلا. فقول الرواة: إنه عليه الصلاة و السلام قال: «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر» [٣] مسموع، و العلم
[١] في (ب) بل واسطة.
[٢] التواتر: يفيدالعلم، و ذلك لا خلاف فيه إلا في قول ضعيف، و له أربعة شروط: الأول: أن يخبر عنعلم لا عن ظن. الثاني: أن يكون علمهم ضروريا مستندا إلى محسوس. الثالث:أن يستوي طرفاه و واسطتهفي هذه المصنفات، و في كمال العدد. الرابع: العدد. و عدد المخبرين ينقسم إلى ناقص:فلا يفيد العلم. و إلى كامل: فيفيد العلم، و إلى زائد يحصل به العلم ببعضه و تقع الزيادةفضلة. (راجع مقدمة جامعالأصول في أحاديث الرسول ج ١ ص ١٢٠).
[٣] الحديث رواهالبخاري في الرهن ٦ و الترمذي في الأحكام ١١ و ابن ماجة في الأحكام ٧.