شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢١٥
واسطة لعدم افتقارها إلى الاكتساب الفكري، و بهذا يشعر كلام الإمام حجة الإسلام [١] حيث قال: العلم الحاصل بالتواتر ضروري بمعنى أنه لا يحتاج إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن، و ليس ضروريا بمعنى الحاصل من غير واسطة كما في قولنا: الموجود ليس بمعدوم فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين [٢].
إحداهما: أن هؤلاء مع كثرتهم، و اختلاف أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع.
الثانية: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة لكنه لا يفتقر إلى ترتيب المقدمتين و لا إلى الشعور بتوسطهما، و لا بإفضائهما [٣] إليه.
و بهذا يظهر أن النزاع لفظي مبني على تفسير الضروري، أنه الذي لا يفتقر إلى واسطة أصلا، أو الذي نجد أنفسنا مضطرين إليه.
فإن قيل: المتواترات من قبيل المحسوسات بحس السمع فيجب أن يكون ضروريا بلا نزاع، كالعلم بأن النار حارة.
قلنا: الكلام في العلم بمضمون الخبر المسموع [٤] تواتر كوجود مكة مثلا، و هو معقول. آلته بتكرر السماع [٥] حتى إذا كان المسموع المتواتر خبرا عن نسبته خبر إلى صدق كان العلم بمضمون ذلك الخبر اكتسابيا وفاقا، مثلا إذا تواترات الأخبار بأن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال «البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر» [٦].
فالعلم بأن هذا صوت المخبرين مأخوذ من الحس، و العلم بأن الخبر
[١] حجة الإسلام: هوأبو حامد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ ه من كتبه مقاصد الفلاسفة:و تهافت الفلاسفة، وإحياء علوم الدين، و المنقذ من الضلال.
[٢] في (أ) مفدمين و هوخطأ.
[٣] سقط من (أ) حرف (ولا).
[٤] في (ب) المشروع- وهو تحريف.
[٥] في (ب) السمع.
[٦] سبق تخريج هذاالحديث.