شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٤٢
جهة كونه معلوما لكونه وسيلة، و ليس بمعلوم لكونه مطلوبا، و هذا معنى قولهم: إثبات النظر بالنظر تناقض. فإن قيل: معنى إثبات القضية النظرية أن العلم بها يستفاد من النظريات بعلم المقدمات مرتبة فيعلم النتيجة و هذا إنما يتوقف على كون النظر مفيدا للعلم، لا على العلم بذلك، فالموقوف هو التصديق، و الموقوف عليه هو الصدق، و هذا كما أن تصور الماهية مستفاد من الخاصة اللازمة بمعنى أنها تتصور فيتصور و إن لم يعلم الاختصاص و اللزوم.
قلنا: مبنى الكلام على أن اللازم في القياس هو صدق النتيجة و الملزوم صدق المقدمات المرتبة. و أما التصديق بالنتيجة أعني العلم، بحقيقتها فإنما يستلزمه التصديق بالمقدمات المرتبة، و كونها مستلزمة للمطلوب بديهة أو اكتسابا [١] على ما تقرر من أن العلم بتحقق اللازم يستفاد من العلم باللزوم، و يتحقق الملزوم، و هذا بخلاف التعريف بالخاصة فإن اللزوم متحقق بين التصورين، حتى لو كان التصديق بالمقدمات مع التصديق بالنتيجة كذلك سقط السؤال. و تقرير الجواب أنا نختار أنه ضروري و لا نسلم امتناع الاختلاف و التفاوت في الضروريات، بل قد يختلف فيها جمع من العقلاء لخفاء في تصورات الأطراف و عسر في تجريدها [٢] عن اللواحق المانعة عن ظهور الحكم، و قد يقع فيها التفاوت لتفاوتها في ذلك و في كثرة التفات النفس إليها، أو يختار أنه نظري يثبت بنظر مخصوص ضروري المقدمات ابتداء و انتهاء، من غير لزوم دور أو تناقض. بأن يقال: في قولنا العالم متغير، و كل متغير حادث. أن هذا الترتيب المخصوص أو العلوم المرتبة نظرا إذ لا معنى له سوى ذلك، ثم إنه يفيد بالضرورة العلم بأن العالم حادث ينتج أن نظرا ما
[١] الكسب: و إن كان في الأصل ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع و تحصيل حظ. ككسب المال. فإنه قد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة ثم يستجلب به مضرة. فالكسب يقال فيما أخذه لنفسه و لغيره و الاكتساب: لا يقال إلا فيما استفاده لنفسه. و في الحديث: إنك لتصل الرحم: و تحمل الكل. و تكسب المعدوم: أي تعطي العائل و ترفده.
[٢] راجع ما كتبه إمام الحرمين في كتابه الإرشاد ص ٤، ٥ و ما كتبه في كتابه أصول الدين ص ١٠١: ١٠٥.