شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١٩
إشارة إلى دليل آخر للإمام لا يندفع بما ذكر: تقريره. أن الوجود طبيعة نوعية لما بينتم من كونه مفهوما واحدا مشتركا بين الكل، و الطبيعة النوعية لا تختلف لوازمها بل يجب لكل فرد منها ما يجب للآخر، لامتناع تخلف المقتضى عن المقتضى، و على هذا بنيتم كثيرا من القواعد كما سيأتي. فالوجود إن اقتضى العروض أو اللاعروض لم يختلف ذلك في الواجب و الممكن، و إن لم يقتض شيئا منهما ما احتاج الواجب في وجوبه [١] إلى منفصل كما سبق.
و الجواب: أنما لا نسلم أنه طبيعة نوعية، و مجرد اتحاد المفهوم لا يوجب ذلك لجواز أن يصدق مفهوم واحد على أشياء مختلفة الحقيقة و اللوازم، كالنور يصدق على نور الشمس و غيره، مع أنه يقتضي إبصار الأعشى [٢] بخلاف سائر الأنوار، فيجوز أن تكون الوجودات الخاصة متخالفة بالحقيقة يجب للوجود الواجب التجرد و يمتنع عليه المقارنة، و الممكن بالعكس مع اشتراك الكل في صدق مفهوم الوجود المطلق عليها صدق العرضي اللازم على معروضاته الملزومة، كالنور على الأنوار، لا يصدق الذاتي بمعنى تمام الحقيقة، ليكون طبيعة نوعية، كالإنسان لأفراده أو بمعنى جزء الماهية، ليلزم التركب كالحيوان لأنواعه.
(قال: متواطئا أو مشككا و هو الحق لكونه في الواجب أولى و أشد و أقدم).
إشارة إلى أن الجواب يتم بما ذكرنا من المنع مستندا بأنه يجوز اشتراك الملزومات المختلفة الحقائق في لازم واحد غير ذاتي، سواء كانت مقوليته عليها بالتواطؤ كالماهية على الماهيات، و التشخص على التشخيصات، أو بالتشكيك
[١] في (ب) وجوده بدلا من (وجوبه).
[٢] الأعشى هو الذي لا يبصر بالليل و يبصر بالنهار و المرأة عشواء. و أعشاء اللّه فعشي بالكسر يعيش عشيا. و العشواء الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيدها كل شيء و ركب فلان العشواء إذا خبط أمره على غير بصيرة فلان خابط خبط عشواء. و عش أعرض عنه. و منه قوله تعالى وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ و فسر بعضهم الآية بضعف البصر.
(راجع مختار الصحاح مادة ع ش أ).