شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨٥
و المدينة كما يصور ذلك المقريزي [١].
و يصور الجاحظ مهمة الكتاب و أثره في دنيا الناس ماضيهم و حاضرهم و مدح فيقول:
«و لو لا الكتاب لا ختلت أخبار الماضين و انقطعت آثار الغائبين، و إنما اللسان للشاهد لك و القلم للغائب عنك، و الماضي قبلك، و الغابر بعدك فصار نفعه أعم، و الدواوين إليه أفقر، و الملك المقيم بالواسطة لا يدرك مصالح أطرافه، و سد ثغوره، و تقويم سكان مملكته إلا بالكتاب، و لو لا الكتاب لما تم تدبير، و لا استقامت الأمور، و قد رأينا عمود صلاح الدين و الدنيا إنما يعتدل في نصابه، و يقوم على أساسه بالكتاب و الحساب» [٢].
و إذا كان للكتاب دوره أيضا في التعليم و الثقافة و تبصير الناس بأمور دينهم و دنياهم. فلقد كان للمسجد أيضا دور الريادة و القيادة في كل جوانب التعليم المختلفة بل و شئون الحياة.
و كان أول مسجد في الإسلام هو مسجد قباء الذي نزل فيه قول اللّه تعالى:
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [٣].
و الحديث عن المسجد في الحقيقة هو حديث عن الجامعة الرئيسية لنشر أنواع المعرفة و الثقافة الإسلامية بشتى طرقها و تباين شعبها.
و الراصد للمساجد في الأمصار الإسلامية يرى أن حلقات الدرس نشأت في المسجد و استمرت كذلك على مر السنين و القرون، و في مختلف البقاع دون
[١] مجالسة السوق مذمومة و منها مجالس قد تحتسب فلا تقربن غير سوق الجياد
و سوق السلاح و سوق الكتب فهاتيك آلة أهل الوغى و هاتيك آلة أهل الأدب
[٢] راجع الكامل للمبرد و رسالة المعلمين
للجاحظ.
[٣] سورة التوبة آية رقم ١٠٨.