شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٨٤
لما كان الحكم بتمايز الإعدام في التصور مظنة الاعتراض، بأن التمايز حينئذ يكون للموجودات الذهنية على ما هو رأي المحققين من الحكماء و المتكلمين. حاول التنبيه على الجواب، بذكر مسائل تدل على أن العدم بالذات لا ينافي الوجود باعتبار منها: أن العدم يعرض لنفسه بأن يتصور العدم المطلق، الذي هو نفي الكون في الأعيان، ثم يزول ذلك عن الذهن فيكون ذلك عروضا للعدم، على ما هو عدم في نفسه، و إن كان موجودا من حيث حصوله في الذهن. و منها أن زوال العدم عن الذهن نوع من العدم المطلق من حيث كونه مضافا إلى العدم، و مقابل له من حيث كونه نفيا له و سلبا. و فيها أن المعدوم المطلق، أعني ما ليس له ثبوت [١] في الخارج و لا صورة في العقل ثابت من حيث إنه متصور الحكم عليه بامتناع الحكم عليه، و قسيم للثابت من حيث ذاته، فيمتنع الحكم عليه، لاستدعائه ثبوت المحكوم عليه في الجملة.
فإن قيل: فما لا يكون ثابتا بوجه من الوجوه، من حيث إنه لا ثابت يمتنع الحكم عليه، و الحكم بامتناع الحكم حكم فيتناقض.
قلنا: صحة الحكم عليه [٢]، بامتناع الحكم ليست من جهة أنه لا ثابت، بل من جهة أنه متصور، ثابت في العقل، و امتناع الحكم من جهة أنه لا ثابت في نفسه، و بحسب مفهومه، و لا تناقض لاختلاف الجهتين و هذا هو الجواب عن الشبهة المشهورة على قولهم: الحكم على الشيء مشروط بتصوره بوجه ما، و هي أنه لو صح ذلك لصدق قولنا: لا شيء مما انتفى فيه هذا الشرط كالمجهول مطلقا، يصح الحكم عليه ضرورة انتفاء المشروط [٣] بانتفاء الشرط؛ و اللازم باطل. لأن موضوع هذه السالبة، إن كان ثابتا، معلوما بوجه ما، صح الحكم عليه في الجملة فيكذب [٤] الحكم بعدم صحة الحكم
[١] في (ب) هوية بدلا من (ثبوت).
[٢] سقط من (ب) لفظ (عليه).
[٣] في (ب) (المشروط).
[٤] في (ب) فيكون بدلا من فيكذب.