شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٩
فالفكرة يهودية الأصل، و ممن روج لها بشر المريسي، و أبوه يهودي صباغ بالكوفة.
و لما عرف الرشيد قوله حلف أن يقتله، فاختفى طول عهده، ليظهر بعد ذلك في بلاط المأمون [١].
من هنا نرى أن علم الكلام غريبا عن البيئة الإسلامية، و قد وفد إليها من خلف السدود و الحدود، و كان هذا بداية للغزو الفكري المنظم الذي شنت جيوشه غاراتها بانتظام على هذه الأمة، فأصابت منها مقاتل، و لكنها لم تجهز عليها.
و مصداقا لما نقول: ما يرويه المؤرخون من أن كتابا ألفه يحيى الدمشقي في القرن الأول للهجرة، و كان هو (وتيودور) أبو قرة يناقشان المسلمين في الدين.
و في هذا الكتاب يدرب النصارى على زعزعة عقائد المسلمين بقوله: إذا قال لك العربي ما تقول في المسيح ..؟
فقل: إنه كلمة اللّه، ثم ليسأل النصراني المسلم بم سمي المسيح في القرآن ..؟ و ليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيب المسلم، فإنه سيضطر إلى أن يقول: كلمة اللّه ألقاها إلى مريم و روح منه، فإن أجاب بذلك فاسأله: هل كلمة اللّه و روحه مخلوق، أو غير مخلوق؟
فإذا قال: مخلوق، فليرد عليه بأن اللّه إذن كان و لم يكن له كلمة و لا روح فإن قلت ذلك، فسيفحم العربي، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين و بمثل هذا ظهر الخلاف المدمر، و تعكر الصفو، و تفرق الشمل و تعددت الفرق، و تباينت الأقوال. [٢]
و ابن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس) يصور لنا ما حدث في الجماعة
[١] راجع تلبيس إبليس لابن الجوزي عند فصل النهي عن الخوض في علم الكلام.
[٢] راجع الإمام أحمد بن حنبل: للأستاذ عبد الحليم الجندي ص ٤٠٦ بتصرف.