شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٦
فقال القسيس: هذا محال، و قد غشك من أخبرك، فإن الملائكة خالدون يستحيل عليهم الفناء.
فأجابه الملك: أحق ما تقوله ..؟
قال القسيس: نعم.
قال الملك: فكيف إذن تريد أن تقنعني بأن اللّه ذاته يموت ..؟» [١].
انظر إلى تلك المناقشة التي تلمح فيها قوة العقل التي ترد أعقد المسائل إلى أقرب البدهيات، ليدركها النظر السليم، و ليفحم المجادل العنيد، و ألا تلمح سذاجة الفطرة القوية. قد التقت مع التفكير المعقد فحلت عقدته و بينت له ما ينبغي أن يدركه الفكر القويم.
ثم جاء الإسلام، جاء الإسلام بالدعوة إلى التوحيد، توحيد الخالق فلا إله إلا اللّه.
و توحيد العقيدة فلا دين إلا الإسلام، و توحيد البشرية: كلكم لآدم و آدم من تراب.
و أخذ الوحي يتتابع و الآذان تتسمع إلى الآيات البينات التي تأتي من عند اللّه. و كأنها أوامر فورية تلتقطها الآذان، و تعيها القلوب فتسمع و تطيع، كما يسمع الجنود في ثكنتهم أوامر القائد فيبادرون إلى الطاعة، و إلى التنفيذ.
إن هذا الوحي يبلغه إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن أمر ربه مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [٢].
و لا خيار للمؤمن و لا للمؤمنة فيما يأتي من عند اللّه مصداقا لقوله تعالى:
[١] راجع كتاب تاريخ الجدل للشيخ محمد أبو زهرة ص ٣٥ نقلا عن كلام المستشرق (دوزي) ترجمة الأستاذ كامل كيلاني.
[٢] سورة النساء آية رقم ٨٠.