شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨٤
الذي يراعونه في التعليم، فلا يقتصرون على القرآن بل يخلطون في تعليمهم الولدان رواية الشعر، و الترسل، و أخذهم بقوانين العربية، و تجويد الخط.
و أما أهل إفريقيا فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب و مدارسة قوانين العلوم الدينية، و تلقين بعض مسائلها، إلا أن عنايتهم بالقرآن و استظهار الولدان إياه أكثر. و عنايتهم بالخط تبع لذلك.
و إذا كان للكتاب هذه الصفة من التعليم و التوجيه، و كان لها دورها الإيجابي في إشاعة المعرفة و إقامة دعائم الثقافة، فإن حوانيت الوراقين كان لها دور أيضا لا يقل عن دور الكتاب، لأن بائعي الكتب لم يكونوا مجرد تجار ينشدون الربح، و إنما كانوا، في أغلب الأحايين أدباء ذوي ثقافة، يسعون للذة العقلية من وراء هذه الحرفة، و قد حفلت قائمة أسماء الوراقين بشخصيات لامعة، كابن النديم [١] صاحب الفهرست، و علي بن عيسى المعروف بابن كوجك، و كياقوت [٢] مؤلف معجم الأدباء، و معجم البلدان.
و يروي أبو الحاج عن بعض شيوخه أن رجلا رحل في طلب العلم إلى بغداد، فقرأ ما شاء اللّه، ثم أراد الانصراف إلى وطنه فاكترى دابة يركبها ليخرج من البلدة. و لكنه وقف ليشتري صاحب الدابة بعض حاجاته فسمع الطالب نقاشا علميا يدور بين اثنين من أصحاب الحوانيت للتجارة فطلب الطالب من صاحب الدابة إعادته إلى بغداد قائلا: إن بلدا باعته في هذه المنزلة من العلم لا ينبغي أن يرحل عنه [٣].
و ما حدث في بغداد كان يحدث مثيله في القاهرة، و دمشق، و القيروان و مكة
[١] هو محمد بن إسحاق أبو الفرج بن أبي
يعقوب النديم توفي عام ٤٣٨ ه. (راجع لسان الميزان ٥: ٧٢).
[٢] هو ياقوت بن عبد اللّه الرومي الحموي
أبو عبد اللّه شهاب الدين مؤرخ ثقة توفي عام ٦٢٦ ه. (راجع وفيات الأعيان ٢: ٢٢٠).
[٣] راجع تاريخ التربية الإسلامية ص ٦٦.