شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٤
أناقشك حقي فتعطيه مرة إذا ثبت عليك. و تعطيه مرتين إذا لم أثبته أمامك، لأنني علمت تلميذا ما يغلب به أستاذه في صناعة البرهان.
و بلغ من التفاهم على الفصل بين البرهان و الحقيقة في صناعة الجدل أنهم أصبحوا يقولون عن الحجة أنها حجة خطابية، أي تقع و لا يشترط فيها أن تدل على الحقيقة.
و إذا تركنا المدارس اليونانية و ما كان فيها من جدل عقيم، و سفسطات تدع الحليم حيران، و تصيب الرءوس بالدوار و انتقلنا إلى مسرح الجزيرة العربية في الجاهلية فإننا نرى حشدا هائلا من الديانات و النحل، مثل اليهودية، و النصرانية، و المجوسية، و الزرادشتية، و المانوية، و المزدكية، و الصابئة و أصحاب الروحانيات، و أصحاب الأشخاص. كلها تدعي الحق و تدمغ الآخرين بالباطل، و تستعمل أسلحة الجدل و منطق العقل، و مغالطة الفكر في إثبات حقها، و إبطال زيف ما عداها [١].
من ذلك ما يحكيه ابن هشام في السيرة النبوية عن سلمة بن سلامة من أهل بدر قال:
«كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل قال سلمة: و أنا يومئذ أحدث من فيه سنا عليّ بردة لي مضطجع فيها بفناء أهلي.
فذكر القيامة و البعث، و الحساب و الميزان، و الجنة و النار، قال ذلك لقوم أهل شرك، أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائنا بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان، أو ترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة و نار، يجزون فيها بأعمالهم ..؟
قال: نعم.
[١] راجع التفكير فريضة إسلامية- للأستاذ العقاد.