شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨٧
ثم كانت المدارس و كان إنشاؤها على يد الوزير نظام الملك وزر لألبأرسلان و الملك شاه، و نسبت هذه المدارس إلى منشئها نظام الملك فعرفه باسم «المدارس النظامية» و كانت غاية في الجلال و العظمة. ثم كانت كثيرة العدد شملت الأمصار و البلدان.
هذه صورة تكاد تكون موجزة عن وسائل التعليم و المعرفة في المجتمع الإسلامي، من بداية القرن الأول الهجري، إلى نهاية القرن السادس منه، و لقد عاش سعد الدين التفتازاني في القرن الثامن الهجري، فهل ترى أن هناك اختلافا جوهريا قد حدث في وسائل التربية و التعليم في ذلك العصر؟
الحقيقة: أننا نشك أن يكون هناك اختلاف جوهري في وسائل التربية و التعليم، و بناء على هذا فالإمام التفتازاني فتح عينيه على الوسيلة التي يتبعها أبناء المسلمين في تعليمهم و تثقيفهم في ذلك العصر، ألا و هي الكتاب ..
و لكن متى وطأت أقدامه عتبة أول كتاب يدخله ..؟ و ما هي المدة التي قضاها فيه ..؟ و في أي من السنوات استظهر كتاب ربه ..؟ كل هذه الأشياء لا نستطيع الإجابة عليها، لأن كتب التاريخ لم تتعرض لطفولته في هذا السن المبكر، و لكننا نتصور، أنه لم يبق وقتا طويلا في الكتاب، بل كان يتردد كثيرا على حوانيت الكتب، و أماكن الوارقين. و هنا يلتفت التاريخ إلى السعد عند ما يدلف إلى أحد المساجد في سمرقند، ليتابع في شوق و لهفة مع العديد من الطلاب، الكلمات القوية الجياشة من فم العالم الجليل عضد الدين الإيجي.
لقد انضم التفتازاني إلى حلقة الإيجي العملاقة التي يتصاول فيها، علم الكلام مع المنطق، و البيان مع البديع، و علم الأصول مع حقائق التنزيل، و لكن كانت بضاعته من هذه العلوم قليلة محدودة، بل كان يوصف بين زملائه ببلادة الذهن. و بلاهة العقل، و تحجر الفؤاد.
يقول صاحب شذرات الذهب: كان سعد الدين في ابتداء طلبه بعيد الفهم جدا و لم يكن في جماعة العضد أبلد منه، و مع ذلك فكان كثير الاجتهاد، و لم يؤيسه جمود فهمه من الطلب، و كان العضد يضرب به المثل بين جماعته في