شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٧٩
العشرة، كم بقي التفتازاني في سمرقند؟ إننا لا نكاد نعلم شيئا عن الفترة الأولى التي قضاها في سمرقند، حتى إذا كان عام ٧٤٢ ه ينتقل فجأة إلى جرجانية، و هي مدينة عظيمة على شاطئ نهر جيحون. و أهل خوارزم يسمونها بلسانهم (كركانج) فعربت إلى الجرجانية. يصفها صاحب معجم البلدان بأنها أعظم المدن التي رآها، و أكثرها أموالا، و أحسنها أحوالا.
دخل التفتازاني هذه المدينة، و هو عالم كبير تسبقه شهرته، لشرحه كتاب التصريف للزنجاني، و لقد أعجبه المقام في هذه المدينة، و عكف على التأليف و التصنيف، و أصبح له طلاب و تلاميذ يتسابقون إليه، و يجنون الثمار من بين يديه، و فيها أتم كتابه (المطول على التلخيص).
ما كاد يهل عام ٧٤٨ ه حتى قرر الرحيل من الجرجانية إلى بلدة (هراة) و هي مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان. فيها بساتين كثيرة، و مياه غزيرة، و خيرات وفيرة حتى قال شاعرها أحمد السامي الهروي.
هراة أرض خصبها واسع و نبتها اللقاح و النرجس ما أحد منها إلى غيرها يخرج إلا بعد ما يفلس و يقول الأديب البارع الزوزني:
هراة أردت مقامي بها لشتى فضائلها الوافرة نسيم الشمال و أعنابها و أعين غزلانها الساحرة و كانت (هراة) في ذلك مملوءة بالعلماء و بأهل الفضل و الحكمة، و مساجدها تضج بالمناقشات العلمية، و صولات العلماء، و مختلف الآراء و الأفكار، و من علماء (هراة) الحسين بن إدريس الهروي المحدث. روى عنه ابن حبان.
و للحسين هذا كتاب في التاريخ صنفه على حروف المعجم.
إلى هذه المدينة التي تموج بكل أنواع الحياة ألقى السعد رحله فيها، و كان يتأبط كتابه الضخم (المطول على التلخيص) و الذي كتبه في جرجانية فأهداه إلى ملك (هراة) معز الدين أبو الحسين بمجرد دخوله إلى المدينة.