شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٩
بالأسطورة، و الخيال بمقاييس العقل، و السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل توقف الجدل في تاريخ الانسانية، و هل امتنعت البشرية عن المعارك الكلامية،
يقول كما شاء، فأقول له: أخبرني عن اللّه عز و جل يتوفاك إذا شئت أو إذا شاء، فإنه كان يقول: إذا شاء، فأقول له: أخبرني عن اللّه عز و جل إذا توفاك تصير حيث شئت أو حيث شاء، فإنه كان يقول حيث شاء يا أمير المؤمنين: فمن لم يمكنه أن يحسن خلقه، و لا يزيد في رزقه و لا يؤخر أجله و لا يصير لنفسه حيث شاء فأي شيء في يده من المشيئة يا أمير المؤمنين؟
قال: صدقت يا أبا عمرو.
قال الأوزاعي: يا أمير المؤمنين: إن القدرية ما رضوا بقول اللّه تعالى، و لا بقول الأنبياء عليهم السلام، و لا بقول أهل الجنة، و لا بقول أهل النار، و لا بقول الملائكة، و لا بقول أخيهم إبليس.
فأما قول اللّه تعالى: فهو: فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
و أما قول الملائكة فهو: لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا.
و أما قول الأنبياء فقال شعيب عليه السلام: وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ.
و قال إبراهيم عليه السلام:
وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ.
و أما قول أهل الجنة فإنهم قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ.
و أما قول أهل النار فهو لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ.
و أما قول إبليس: فهو: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي.
ب- جدل المعتزلة:
جاء في كتاب الانتصار: أن المنانية تزعم أن الصدق و الكذب متضادان، و أن الصدق خير، و هو من النور، و الكذب شر و هو من الظلمة.
قال لهم إبراهيم النظام: حدثونا عن إنسان قال قولا كذب فيه، من الكاذب ...؟
قالوا: الظلمة.
قال: فإن ندم بعد ذلك على ما فعل من الكذب، و قال قد كذبت و أسأت، من القائل قد كذبت ..؟
فاختلطوا عن ذلك و لم يدروا ما يقولون.
فقال إبراهيم النظام:
«إن زعمتم أن النور هو القائل قد كذبت و أسأت فقد كذب لأنه لم يكن الكذب منه، و لا قاله.
و الكذب شر، فقد كان من النور شر، و هذا هدم قولكم.
و إن قلتم: إن الظلمة قالت: قد كذبت و أسأت فقد صدقت و الصدق خير. فقد كان من الظلمة صدق و كذب، و هما عنده مختلفان خيرا و شرا على حكمكم».
لقد أخذ الطرق على المناقش حتى أفحمه و لم يدر كيف يجيب و هكذا كان يدور الجدل، و تكون الغلبة لأكثر القوم و أقربهم حجة. و أقدرهم مصاولة و جدلا.