شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٨
و مزقتهم الأهواء و الأغراض فافترقوا فرقا و جماعات مصداقا لما قال الرسول صلّى اللّه عليه و سلم:
«ستفترق أمتي».
فكانت الخوارج و كانت الشيعة، و كانت المعتزلة، و كانت الأشاعرة و كانت القدرية، و كانت الجهمية، و كانت الباطنية.
و غير ذلك كثير من أشياء تذهب بلب الحليم، و تصيب الرءوس بالدوار و لكل فرقة من هذه الفرق جدل و مناقشات [١] يلتبس فيها الحق بالباطل و الواقع
[١] أ- جدل القدرية:
كان على عهد هشام بن عبد الملك رجل قدري فبعث هشام إليه فقال له: قد كثر كلام الناس فيك.
قال: نعم يا أمير المؤمنين، ادع من شئت فيجادلني فإن أدركت عليّ بذلك فقد أمكنتك من علاوتي:
فقال هشام: قد أنصفت فبعث إلى الأوزاعي فلما حضر قال له هشام: يا أبا عمرو ناظر هذا القدري.
فقال له الأوزاعي: اختر إن شئت ثلاث كلمات، و إن شئت أربع و إن شئت واحدة.
فقال له القدري: بل ثلاث كلمات.
فقال الأوزاعي للقدري: أخبرني عن اللّه عز و جل هل قضى على ما نهى ..؟ قال القدري:
ليس عندي في هذا شيء.
فقال الأوزاعي: هذه واحدة، ثم قال: أخبرني عن اللّه عز و جل: أحال دون ما أمر؟
قال القدري: هذه أشد من الأولى، ما عندي في هذا شيء.
فقال الأوزاعي: هذه اثنتان يا أمير المؤمنين، ثم قال أخبرني عن اللّه عز و جل. هل أعان على ما حرم؟
فقال القدري: هذه أشد من الأولى و الثانية، ما عندي في هذا شيء.
فقال الأوزاعي: يا أمير المؤمنين. هذه ثلاث كلمات. فأمر هشام فضربت عنقه فقال هشام للأوزاعي: فسر لنا هذه الكلمات الثلاث ما هي؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، أ ما تعلم أن اللّه تعالى قضى على ما نهى. نهى آدم عن الأكل من الشجرة، ثم قضى عليه فأكلها، أ ما تعلم أن اللّه تعالى حال دون ما أمر، أمر إبليس بالسجود لآدم، ثم حال بينه و بين السجود، أ ما تعلم يا أمير المؤمنين أن اللّه أعان على ما حرم؟ حرم الميتة و الدم و لحم الخنزير، ثم أعان عليه بالاضطرار.
فقال هشام: أخبرني عن الواحدة ما كنت تقول له؟
قال: كنت أقول له: أخبرني عن اللّه عز و جل حيث خلقك، خلقك كما شاء أو شئت، فإنه