شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٢٩
فإن هذا مما لا يقبله العقل و إن وقع في كلام الإمام و غيره، و أدلة القائلين بأن وجود الشيء نفس ذاته لا يفيد سوى أن ليس للشيء هوية، و لعارضه المسمى بالوجود هوية أخرى، قائمة بالأولى [١] بحيث يجتمعان اجتماع البياض و الجسم من غير دلالة على أن المفهوم من وجود الشيء هو المفهوم من ذلك الشيء. فإن هذا بديهي البطلان، فإذا لا يظهر من كلام الفريقين و لا يتصور من المنصف، خلاف في أن الوجود زائد على الماهية ذهنا، أي عند العقل و بحسب المفهوم و التصور بمعنى أن للعقل أن يلاحظ الوجود دون الماهية، و الماهية دون الوجود لا عينا، أي بحسب الذات و الهوية بأن يكون لكل منهما هوية متميزة يقوم أحدهما بالأخرى كبياض الجسم، فعند تحرير المبحث و بيان أن المراد الزيادة في التصور أو في الهوية يرتفع النزاع بين الفريقين، و يظهر أن القول يكون اشتراك الوجود لفظيا، بمعنى أن المفهوم من الوجود المضاف إلى الإنسان غير المفهوم من المضاف إلى الفرس، و لا اشتراك بينهما في مفهوم الكون مكابرة و مخالفة لبديهة العقل، و ذهب صاحب المواقف [٢] إلى أن النزاع راجع إلى النزاع في الوجود الذهني فمن أثبته قال بالزيادة عقلا. بمعنى أن في العقل أمرا هو الوجود و آخر هو الماهية.
و من نفاه أطلق القول بأنه نفس الماهية، لأنه لا تغاير و لا تمايز في الخارج، و ليس وراء الخارج أمر يتحقق فيه أحدهما بدون الآخر، فيتحقق التمايز و فيه نظر. لأنه لا نزاع للقائلين بنفي الوجود الذهني في تعقل الكليات و الاعتبارات، و المعدومات، و الممتنعات، و مغايرة بعضها للبعض بحسب المفهوم و إنما نزاعهم
[١] في (ب) الأول بدلا من (الأولى).
[٢] هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار أبو الفضل. عضد الدين الإيجي عالم بالأصول و المعاني العربية من أهل إيج (بفارس) ولي القضاء و أنجب تلاميذ عظاما و جرت له محنة مع صاحب كرمان. فحبسه بالقلعة فمات مسجونا. من تصانيفه: المواقف، و الرسالة العضدية، و جواهر الكلام. توفي عام ٧٥٦ ه.
(راجع طبقات السبكي ٦: ١٠٨).