شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١٥
بوجوب تقدمها عليه بالوجود فإنه ما لم يلحظ كون الشيء موجودا امتنع أن يلحظ كونه مبدأ للوجود و مقيدا له بخلاف القابل للوجود فإنه لا بد أن يلحظه العقل خاليا عن الوجود أي غير معتبر فيه الوجود لئلا يلزم حصول الحاصل، بل عن العدم أيضا لئلا يلزم اجتماع المتنافيين. فإذن هي الماهية من حيث هي هي، و أما الذاتيات بالنسبة إلى الماهية و الماهية بالنسبة إلى لوازمها فلا يجب تقدمها إلا بالوجود العقلي، لأن تقدمها بالذاتيات و اتصافها بلوازمها إنما هو بحسب العقل، و إذا تحققت فتقدم قابل الوجود أيضا كذلك لما سيجيء من أنه بحسب العقل فقط، لا كالجسم مع البياض. فنقول على طريق البحث دون التحقيق:
لا نسلم أن المفيد لوجود نفسه يلزم تقدمه عليه بالوجود، فإنه لا معنى للإفادة هاهنا سوى أن تلك الماهية تقتضي لذاتها الوجود و يمتنع تقدمها عليه بالوجود ضرورة امتناع حصول الحاصل، كما في القابل بعينه بخلاف المقيد لوجود الغير، فإن بديهة العقل حاكمة بأنه ما لم يكن موجودا لم يكن مبدأ لوجود الغير [١] و من هاهنا يستدل بالعالم على وجود الصانع.
فإن قيل: إذا كانت ماهية الواجب مفيدة لوجوده و مقتضية له كان وجوده معلولا للغير، و كل معلول للغير ممكن فيكون وجود الواجب ممكنا، هذا خلف [٢]. قلنا بعد المساعدة على تسمية مقتضى الماهية معلولا لها و تسمية الذات الموجودة غير الوجود: لا نسلم أن كل معلول للغير بهذا المعنى ممكن، و إنما يلزم ذلك لو لم يكن المعلول هو الوجود و الغير، هو الماهية، التي قام بها ذلك الوجود، كيف و لا معنى لوجوب الوجود سوى كونه مقتضى الذات التي قام بها الوجود من غير احتياج إلى غير تلك الذات؟ و هذا معنى قوله قلنا لذاته فيجب أن يكون وجود الواجب مقتضى لذات الواجب، فيكون اللازم وجوبه لا إمكانه و تحقيقه. إنا إذا وصفنا الماهية بالوجوب فمعناه أنها لذاتها تقتضي الوجود، و إذا وصفنا به الوجود فمعناه أنه مقتضى ذات الماهية من غير احتياج إلى غيرها.
[١] في (ب) مبدأ الوجود.
[٢] في (أ) بزيادة (هذا خلف).