شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠٥
الثالث: أنه لو كان بديهيا لم يختلف العقلاء في بداهته، و لم يفتقر المثبتون منهم إلى الاحتجاج عليها، لكنهم اختلفوا و احتجوا فلم يكن بديهيا.
و الجواب عن الأول: أنا لا نسلم أن العارض يكون تابعا للمعروض في المعقولية بل ربما يعقل العارض دون المعروض، و عدم استقلاله إنما هو في التحقيق في الأعيان و لو سلم فلا نزاع في بداهة بعض الماهيات فيكفي في تعقل الوجود من غير اكتساب، لا يقال العارض تابع للمعروض في التحقق حيث ما كان عارضا، فإن كان في الخارج ففي الخارج، و إن كان في العقل ففي العقل، و سيجيء أن زيادة الوجود على الماهية، إنما هي في العقل. و المعقول بتبعية الماهية البديهية يكون وجودها الخاص، و ليس المطلق ذاتيا له حتى يلزم بداهته، بل عارضا لأنا نقول: ليس معنى العروض في العقل أن لا يتحقق العارض [١] في العقل بدون المعروض و قائما به كما في العروض الخارجي، بل إن العقل إذا لاحظهما و لاحظ النسبة بينهما لم يكن المعقول من أحدهما نفس المعقول من الآخر، و لا جزء له بل صادقا عليه.
و الوجود المطلق و إن لم يكن ذاتيا للخاص لكنه لازم له بلا نزاع، و ليس إلا في العقل إذ لا تمايز في الخارج فتعقل الخاص لا يكون بدون تعقله فيكون بديهيا مثله.
و عن الثاني: أن البديهي لا يعرف تعريفا حديا أو رسميا لإفادة تصوره لكن قد يعرف تعريفا اسميا لإفادة المراد من اللفظ، و تصور المعنى من حيث أنه مدلول لفظ و إن كان متصورا في نفسه، و من حيث أنه مدلول لفظ آخر، و تعريفات الوجود من هذا القبيل.
و عن الثالث: أن الذي لا يقع فيه اختلاف العقلاء هو الحكم [٢] البديهي
[١] في (أ) بزيادة (العارض).
[٢] الحكم لغة: القضاء و الجمع أحكام. و قد حكم عليه حكما و حكومة و الحاكم منفذ الحكم و كذلك الحكم و الجمع حكام. و حاكمه إلى الحاكم دعاه و خاصمه. و حكمه في الأمر: أمره أن يحكم، فاحتكم. و تحكم: جار في حكمه. و الاسم الأحكومة و الحكومة.
(بصائر ذوي التمييز ج ٢ ص ٤٨٧).