شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٩
(قال: قالوا لو لم يجب إلا شرعا لكان للمكلف أن يقول لا أنظر ما لم يجب، و لا يجب ما لم أنظر، لأنه بالشرع و ثبوته بالنظر، و لا يمكن للنبي إلزامه [١] و فيه إفحامه. و أجيب بأنه مشترك الإلزام إذ الوجوب العقلي أيضا نظري فله أن لا ينظر و لا يسمع إلى ما يوضع له في المقدمات و أن صحة الإلزام إنما تتوقف على تحقق الوجوب لا على العلم به، و المتوقف على النظر هو العلم به لا تحققه) [٢].
احتجت المعتزلة على أن وجوب النظر في المعجزة و المعرفة و سائر ما يؤدي إلى ثبوت الشرع عقلي، بأنه [٣] لو لم يجب إلا بالشرع لزم إفحام الأنبياء، فلم يكن للبعثة فائدة و بطلانه ظاهر، و وجه اللزوم أن النبي عليه السلام إذا قال للمكلف: انظر في معجزتي حتى يظهر لك صدق دعواي، فله أن يقول: لا انظر ما لم يجب عليّ لأن ترك غير الواجب جائز، و لا يجب عليّ ما لم يثبت الشرع، لأنه لا وجوب إلا بالشرع، و لا يثبت الشرع ما لم أنظر، لأن ثبوته نظري لا ضروري.
فإن قيل: قوله لا أنظر ما لم يجب ليس بصحيح، لأن النظر لا يتوقف على وجوبه. قلنا: نعم إلا أنه لا يكون للنبي حينئذ إلزامه النظر، لأنه لا إلزام على غير الواجب، و هو المعنى بالإفحام. و أجيب أولا: بأنه مشترك الإلزام، و حقيقته إلجاء الخصم إلى الاعتراف بنقض دليله إجمالا، حيث دل على نفي ما هو الحق [٤] عنده في صورة النزاع، و تقريره أن للمكلف أن يقول لا أنظر ما لا يجب،
[١] يقول المعتزلة: لو كان ذلك للزم إفحام الرسل و غلبهم بالحجة بحيث لا يمكنهم إلزام المكلفين الشرائع بالبرهان الذي هو سنة اللّه مع خلقه فتتبقى فائدة البعثة التي هي انتفاء الحجة للخلق يوم القيامة. و نقول: التالي باطل بالإجماع فالمقدم مثله.
[٢] أي الشرع في نفسه حتى يجيء الدور فقول القائل: أنا لا أنظر حتى يجب النظر، مسلم. و قوله:
و لا يجب حتى يثبت الشرع، مسلم على ظاهره أيضا. و قوله: لا يثبت الشرع حتى أنظر، غير مسلم. لأن الشرع يثبت في نفس الأمر نظرت أو لم تنظر أيها المكلف، علمت بثبوته أو لم تعلم.
هذا إن أراد العلم بالثبوت منع التوقف أيضا. إذ ليس الوجوب متوقفا على العلم بالثبوت و إنما يتوقف على سماع الخطاب و فهمه.
[٣] في (ب) (بيانه).
[٤] في (ب) بدلا من (عنده).