شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٧
إلى المقدمات و دفع الشكوك و الشبهات، و قد شبهوا نظر البصيرة [١] بنظر الباصرة، و قول المعلم بالضوء الحسي و كما لا يتم الإبصار إلا بهما لا تتم المعرفة إلا بالنظر و التعليم، و كذا الكلام في المعصوم، إذ لا يكفي في صدقه إخبار معصوم آخر، ما لم ينته إلى نظر العقل، و أما الإلهام فلأنه لا يثق به صاحبه ما لم يعلم أنه من اللّه تعالى، و ذلك بالنظر و إن لم يقدر على العبارة عنه، و أما تصفية الباطن فلأنه لا عبرة بها إلا بعد طمأنينة النفس في المعرفة، و ذلك بالنظر على أنه لو ثبت حصول المعرفة بدون النظر لم يضرنا، لأنا إنما ندعي الاحتياج إليه في حق الأغلب، و هذا لا يمنع لظهور كونه طريق العامة.
الرابع: أنا لا نسلم أن المعرفة واجب مطلق، فإن معناه الوجوب على كل تقدير، و وجوب المعرفة مقيد بحال الشك، أي تردد الذهن في النسبة، أو بحال عدم المعرفة للقطع بأنه لا وجوب حال حصول المعرفة بالفعل، لامتناع تحصيل الحاصل.
و الجواب: أن ليس معنى الوجوب على كل تقدير عموم التقادير و الأحوال، و إلا لما كان شيء من الواجبات واجبا مطلقا، إذ لا يجب على تقدير الإتيان به، و لأن وجوب الصوم مثلا مطلق بالقياس إلى النية حتى يجب مقيد بالقياس إلى كون المكلف مقيما غير مسافر حتى لا تجب الإقامة، و كذا وجوب الحج مقيد بالاستطاعة، فلا يجب تحصيلها مطلقا بالنسبة إلى الإحرام و نحوه من الشرائط، فيجب بل معناه الوجوب على تقدير وجود المقدمة و عدمها، و وجوب المعرفة ليس مقيدا بالنظر بمعنى أنه لو نظر تجب المعرفة، و إلا فلا يكون مطلقا.
و أما بالنسبة إلى الشك أو عدم المعرفة فمقيد، إذ لا وجوب على العارف، فلا يكون تحصيل الشك و عدم المعرفة واجبا. و يندفع إشكال آخر هو نقض
[١] البصيرة: النور الذي يقذفه اللّه تعالى في قلب عبده فنرى المعنويات و الباصرة لا ترى إلا المحسوسات. البصيرة ترى اللطيف، و الباصرة لا ترى إلا الكثيف. البصيرة ترى القديم، و الباصرة لا ترى إلا الحادث: البصيرة ترى المكون، و الباصرة لا ترى إلا الأكوان.
(راجع كتاب مع الإلحاد وجها لوجه ص ١١).