شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٠
الإطلاق، سواء كان في المعارف الإلهية أو غيرها و سواء كان معه معلم أو لا و أما إمكان تحصيل المقدمات الضرورية و ترتيبها على الوجه المنتج لأنه صناعة المنطق فمعلوم بالضرورة.
الثاني: أن نظر المعلم أيضا لكونه نظر إلى معرفة [١] اللّه تعالى يحتاج إلى معرفة معلم آخر و يتسلسل، إلا أن يحض الاحتياج إلى المعلم بغير المعلم، و يجعل نظر المعلم كافيا لكونه مخصوصا بتأييد إلهي، أو تنتهي سلسلة التعليم إلى المعلم المستند علمه إلى النبي عليه الصلاة و السلام [٢] المستند إلى الوحي.
الثالث: أن إرشاد المعلم لا يفيدنا إلا بغد العلم بصدقه، و صدقه إما أن يعلم بالنظر فيكون النظر كافيا في المعرفة، حيث أفاد صدق المعلم المفيد للمعرفة [٣] و إما أن يعلم بقول ذلك المعلم فيدور، لأن قوله أي إخباره عن كونه صادقا لا يفيد كونه كذلك إلا بعد العلم بأنه صادق البتة، و إما بقول معلم آخر و هكذا إلى أن يتسلسل، و قد يجاب بأنا لا نجعل المعلم مستقلا بإفادة المعرفة ليلزمنا العلم بكونه صادقا لا يكذب البتة بل نجعل المفيد هو النظر المقرون بإرشاد منه إلى الأدلة و دفع الشبهة، لكون عقولنا قاصرة عن الاستدلال بذلك [٤] مفتقرة إلى إمام يعلمنا الأدلة و دفع الشبه ليحصل لنا بواسطة تعليمه و قوة عقولنا معرفة الحقائق الإلهية التي من جملتها كونه إماما يستحق الإرشاد و التعليم ثم لا يخفى أن ما ذكر من الوجوه بتقدير تمامها إنما يراد الاحتياج إلى المعلم في حصول المعرفة، و أما لو أرادوا الاحتياج إليه في حصول النجاة بمعنى أن
[١] في (ب) لفظ (في) بدلا من (إلى).
[٢] سقط من (ب) (إلى النبي عليه الصلاة و السلام).
[٣] المعرفة: إدراك الأشياء و تصورها. و لها عند القدماء عدة معان: منها إدراك الأشياء بإحدى الحواس، و منها العلم مطلقا تصورا كان أو تصديقا، و منها إدراك البسيط سواء كان تصورا للماهية أو تصديقا بأحوالها.
و فرقوا بين المعرفة و العلم: فقالوا إن المعرفة إدراك الجزئي، و العلم إدراك الكلي. و أن المعرفة تستعمل في التصورات و العلم في التصديقات.
[٤] في (ب) الاستقلال.