شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣٩
بقدر الاستعداد عند اتصالها به، و زعموا أن اللوح المحفوظ، و الكتاب المبين، في لسان الشرع عبارتان عنه، و هاهنا مذهب آخر اختاره الإمام الرازي، و ذكر حجة الإسلام الغزالي: أنه المذهب عند أكثر أصحابنا، و هو أن النظر يستلزم العلم بالنتيجة بطريق الوجوب، الذي لا بد منه لكن لا بطريق التوليد، على ما هو رأي المعتزلة و هذا ما نقل عن القاضي أبي بكر [١] و إمام الحرمين [٢] أن النظر يستلزم العلم بطريق الوجوب، من غير أن يكون النظر علة أو مولدا، أو صرح بذكر الوجوب، لئلا يحمل الاستلزام على الاستعقاب العادي، فيصير هذا هو المذهب الأول، و قد صرح الإمام الغزالي، بأن هذا مذهب أكثر أصحابنا و الأول مذهب بعضهم، و استدل الإمام الرازي على الوجوب بأن من علم أن العالم متغير و كل متغير ممكن فمع حضور هذين العلمين في الذهن يمتنع أن لا يعلم أن العالم ممكن، و العلم بهذا الامتناع ضروري، و كذا في جميع اللوازم مع الملزومات، و على بطلان التوليد بأن العلم في نفسه ممكن فيكون مقدور للّه تعالى، فيمتنع وقوعه بغير قدرته، فتوجه اعتراض المواقف بأنه لما كان فعل القادر امتنع أن يكون واجبا، فإنه الذي إن شاء فعل و إن شاء ترك، من غير وجوب عليه أو عنه.
لا يقال المراد الوجوب بالاختيار على ما سيجيء لأنا نقول فحينئذ يجوز أن لا يقع بأن لا تتعلق به القدرة و الاختيار و يكون هذا هو المذهب الأول بعينه.
و الجواب: أن وجوب الأثر كالعلم مثلا بمعنى امتناع انفكاكه عن أثر آخر كالنظر لا ينافي في كونه أثرا لمختار جائز الفعل و الترك، بأن لا يخلقه و لا
[١] هو: الطيبالباقلاني.
[٢] هو: الإمام الجوينيو عبارته في الإرشاد: النظر الصحيح إذا تم على سداده و لم تعقبه آفة في العلم حصلالعلم بالمنظور فيه على الاتصال بتصرم النظر، و لا يتأتى من الناظر جهل بالمدلولعقيب النظر، مع ذكره له، و لا يولد النظر العلم، و لا يوجبه إيجاب العلة معلوها». (الإرشاد ص ٦).