علي والخوارج - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١٦٢
إننا في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول:
إن كثيرين من الذين خرجوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا بالنسبة إلى الكوفيين ـ وهم جيش علي (عليه السلام) ـ الابناء، والإخوان، وذوي القربى.. إذن، فقد كان من الطبيعي أن يترددوا ويتباطؤا في الإقدام على قتال جيش يضم كثيرين من هؤلاء. فكيف إذا فرض أن يكون هذا القتال شرساً وضارياً إلى حد أن تُستأصل شأفتهم أو تكاد؟!
ولأجل ذلك، ولأنه لا مجال للقصاص قبل الجناية فقد كان من الطبيعي أن يمهل علي (عليه السلام) «الخوارج»، ويتركهم، ويتحمل ما يواجهونه به من أذى مادام أنهم لم يخلّوا بالأمن، ولم يخرجوا عن دائرة الانضباط.
أما حين ارتكبوا الجرائم والعظائم، وأفسدوا حياة الناس، فإن عليه من موقع كونه المسؤول الأول عن حياة الناس، وعن أمنهم بمختلف وجوهه أن يعيد الأمور إلى نصابها، وأن يطالبهم بإنصاف الناس من أنفسهم.
حتى إذا ظهر إصرارهم على التزام خط الفساد والافساد، لم يبادر إلى الانتقام لنفسه، بل عفا عنهم في كل ما آذوه به، ولكنه بالنسبة لحفظ الواقع العام أوقع بهم العقوبة الإلهية التي يستحقونها.
وقد ساعد ما أظهره «الخوارج» من قوة وغلظة، وإصرار على هتك الحرمات، وعلى ارتكاب أعظم الموبقات ـ قد ساعد الكوفيين على تلمّس خطرهم العظيم، وإدراك أن الناس إذا كانوا يحبون الراحة، فإن عليهم أن يعرفوا أن الذهاب إلى حرب معاوية معناه أن يواجهوا خطرين.
أحدهما: أمامهم وهو معاوية.
والآخر: خلفهم وهو «الخوارج».