المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٢ - مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم
فإن قلت: إن النبوة وصف لا بد أن يكون الموصوف به موجودا، و إنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة أيضا، فكيف يوصف به قبل وجوده و إرساله؟
أجاب العلامة الغزالى فى كتاب «النفخ و التسوية» عن هذا، و عن قوله:
«كنت أول الأنبياء خلقا و آخرهم بعثا» [١]: «بأن المراد ب «الخلق» هنا: التقدير دون الإيجاد، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا مخلوقا، و لكن الغايات و الكمالات سابقة فى التقدير لاحقة فى الوجود».
«قال: و هو معنى قولهم: «أول الفكرة آخر العمل، و آخر العمل أول الفكرة»
و بيانه: أن المهندس المقدر للدار، أول ما يمثل فى نفسه صورة الدار، فتحصل فى تقديره دار كاملة، و آخر ما يوجد من أعماله هى الدار الكاملة، فالدار الكاملة هى أول الأشياء فى حقه تقديرا، و آخرها وجودا، لأن ما قبلها من ضرب اللبنات و بناء الحيطان، و تركيب الجذوع، وسيلة إلى غاية و كمال و هى الدار، فالغاية هى الدار و لأجلها تقوم الآلات و الأعمال».
«ثم قال: و أما قوله٧: (كنت نبيّا) فإشارة إلى ما ذكرناه، و أنه كان نبيّا فى التقدير قبل تمام خلقة آدم٧، لأنه لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد- صلى اللّه عليه و سلم- و يستصفى تدريجا إلى أن يبلغ كمال الصفا».
«قال: و لا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودا فى ذهن المهندس و دماغه، و الوجود الثانى أنه ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن فى الأعيان، و الوجود الذهنى سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة، و كذلك فاعلم أن اللّه تعالى يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيا، انتهى.
و هو متعقب بقول الشيخ تقى الدين السبكى: «إنه قد جاء أن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: (كنت نبيّا) إلى روحه
[١] ضعيف جدّا: أخرجه أبو نعيم فى «الدلائل» (ص ٤٢).