المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٥١ - المقصد الثانى الفصل الأول فى ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال صفاته المنيفة
ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه و شرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى فقال اسْمُهُ أَحْمَدُ [١] و ذكره موسى حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلنى من أمة أحمد. فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد و بعث كان محمدا أيضا بالفعل. و كذلك فى الشفاعة، يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الحامدين لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته.
فانظر كيف ترتب هذا الاسم قبل الاسم الآخر فى الذكر و الوجود، و فى الدنيا و الآخرة، تلح لك الحكمة الإلهية فى تخصيصه بهذين الاسمين.
انتهى.
و قال القاضى عياض: كان- عليه الصلاة و السلام- أحمد قبل أن يكون محمدا، كما وقع فى الوجود، لأن تسميته أحمد وقعت فى الكتب السالفة، و تسميته محمدا وقعت فى القرآن، و ذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناس.
انتهى.
و هذا موافق لما قال السهيلى، و ذكره فى فتح البارى و أقره عليه، و هو يقتضى سبقية اسمه أحمد، خلافا لما ادعاه ابن القيم [٢].
و ذكر ابن القيم فى اسمه «أحمد» أنه قيل فيه إنه بمعنى «مفعول» و يكون التقدير: أحمد الناس، أى أحق الناس و أولاهم أن يحمد، فيكون محمدا فى المعنى، لكن الفرق بينهما: أن محمدا هو الكثير الخصال التي يحمد عليها، و أحمد: هو الذي يحمد أفضل مما يحمد غيره، فمحمد فى الكثرة و الكمية، و أحمد فى الصفة و الكيفية، فيستحق من الحمد أكثر مما يستحق غيره، أى أفضل حمد حمده البشر، فالاسمان واقعان على المفعول.
قال: و هذا أبلغ فى مدحه و أكمل معنى، فلو أريد معنى الفاعل لسمى
[١] سورة الصف: ٦.
[٢] قاله فى «زاد المعاد» (١/ ٨٩).