المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٠ - دقائق حقائق بعثته- صلى اللّه عليه و سلم
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى، و هو ابن عم خديجة أخى أبيها- و كان امرأ تنصر [١] فى الجاهلية [٢]، و كان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء اللّه أن يكتب- و كان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: أى ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: ما ذا ترى؟ فأخبره النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس [٣] الذي أنزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعا [٤]، ليتنى أكون حيّا حين يخرجك قومك. فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-:
أو مخرجى هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودى، و إن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
ثم لم ينشب [٥] ورقة أن توفى، و فتر الوحى فترة حتى حزن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه منه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول اللّه حقّا، فيسكن لذلك جأشه [٦]، و تقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك» [٧].
* و قد تكلم العلماء فى معنى قوله- صلى اللّه عليه و سلم- لخديجة: «قد خشيت
[١] تنصر: أى صار نصرانيّا.
[٢] الجاهلية: معناها هنا: الفترة الزمنية التي كانت قبل بعثته- صلى اللّه عليه و سلم-.
[٣] الناموس: هو جبريل٧، و قال أهل اللغة و غريب الحديث: الناموس فى اللغة:
صاحب سر الخير، و الجاسوس صاحب الشر، و يقال: نمست السر، إذا كتمته.
[٤] أى: شابّا قويّا، حتى أبالغ فى نصرك، و أصل الجذع فى الدواب.
[٥] أى: لم يلبث بعده فترة طويلة، بل فترة قليلة.
[٦] جأشه: أى قلبه.
[٧] صحيح: أخرجه البخاري (٦٩٨٢) فى التعبير، باب: أول ما بدئ به رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من الوحى الرؤيا الصالحة، و مسلم (١٦٠) فى الإيمان، باب: بدء الوحى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم-.