المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٢ - مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم
و قال مجاهد [١]: بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، و أنبت اللّه من دموعه العود الرطب و الزنجبيل و الصندل و أنواع الطيب، و بكت حواء حتى أنبت اللّه من دموعها القرنفل و الأفاوى.
يا بنى آدم، انظروا كيف بكى أبوكم آدم على فعلة واحدة ثلاثمائة سنة، فكيف بكم يا أرباب الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا يا أولى الأبصار، كان كلما رأى الملائكة تصعد و تهبط ازداد شوقا إلى الأوطان، و تذكر العهد و الجيران، يا أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق بينى و بينك، فيا ذا العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة، فمد يده إلى لقمة نهى عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصى فإنها من نزلت به نزلت به و حطته عن مرتبته.
فإن قلت: هذه الفعلة التي أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، و إن كانت صغيرة فلم جرى عليه ما جرى بسببها، من نزع اللباس و الإخراج من الجنة و غير ذلك؟
أجاب الزمخشري [٢]: بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص و الأفكار الصالحة التي هى أجل الطاعات، و أعظم الأعمال، و إنما جرى عليه ما جرى تعظيما للخطيئة، و تفظيعا لشأنها و تهويلا، ليكون ذلك لطفا له و لذريته فى اجتناب الخطايا، و اتقاء الماثم.
يا هذا، انظر كم للّه من لطف و حكمة فى إهباط آدم من الجنة إلى الأرض، لو لا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين، و اجتهاد العابدين المجتهدين، و لا صعدت زفرات أنفاس التائبين، و لا نزلت قطرات دموع المذنبين، يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإنى قريب، أجيب دعوة الداع، إن كان
[١] هو: مجاهد بن جبير، شيخ القراء و المفسرين، روى عن ابن عباس، و عنه أخذ القرآن و التفسير و الفقه، مات و هو ساجد سنة (١٠٢ ه).
[٢] هو: كبير المعتزلة، أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد الزمخشري النحوى، صاحب «الكشاف» و «المفضل»، كان رأسا فى البلاغة و العربية و المعانى و البيان، كما كان داعيا إلى الاعتزال، مات سنة (٥٣٨ ه).