المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٢١ - مغازيه و سراياه و بعوثه- صلى اللّه عليه و سلم
و معلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه- صلى اللّه عليه و سلم- مبدأ الرمى، و هو الحذف، و من الرب تعالى نهايته و هو الإيصال، فأضاف إليه رمى الحذف الذي هو مبدؤه و نفى عنه رمى الإيصال الذي هو نهايته.
و نظير هذا فى الآية نفسها قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [١]. ثم قال: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [٢]. فأخبر أنه تعالى وحده هو الذي انفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، و لم يكن برسوله صلى اللّه عليه و سلم-، و لكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابا تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة و القتال و النصر مضافا إليه و به خير الناصرين.
قال ابن إسحاق: و قاتل عكاشة بن محصن الأسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع فى يده، فأتى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فأعطاه جذلا من حطب فقال له قاتل به، فهزه فعاد فى يده سيفا طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديد، فقاتل به حتى فتح اللّه على المسلمين، و كان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حتى قتل و هو عنده [٣].
و جاءه- عليه الصلاة و السلام- يومئذ- فيما ذكره القاضى عياض عن ابن وهب- معاذ بن عمرو يحمل يده، ضربه عكرمة عليها فتعلقت بجلدة، فبصق- صلى اللّه عليه و سلم- عليها فلصقت. قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان.
و عن عروة بن الزبير، عن عائشة: لما أمر- صلى اللّه عليه و سلم- بالقتلى أن يطرحوا فى القليب، فطرحوا فيه. إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ فى درعه فملأها، فألقوا عليه ما غيبه من التراب و الحجارة.
و إنما ألقوا فى القليب و لم يدفنوا، لأنه- عليه الصلاة و السلام- كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم.
[١] سورة الأنفال: ١٧.
[٢] سورة الأنفال: ١٧.
[٣] ذكره ابن هشام فى «سيرته» (١/ ٦٣٧) عن ابن إسحاق بغير إسناد.