المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٦ - دقائق حقائق بعثته- صلى اللّه عليه و سلم
* الثالثة: كان يتمثل له الملك رجلا، فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه فى صورة دحية الكلبى [١]. رواه النسائى بسند صحيح من حديث ابن عمر.
قلت: و كان دحية جميلا و سيما، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن لتراه.
فإن قلت: إذا لقى جبريل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كانت فى الجسد الذي له ستمائة جناح، فالذى أتى لا روح جبريل و لا جسده، و إن كانت فى هذا الذي هو فى صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية.
أجيب- كما ذكره العينى [٢]- بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجب موته، فيبقى الجسد حيّا، لا ينقص من معارفه شيء و يكون انتقال روحه إلى الجسد الثانى كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر، و موت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها اللّه تعالى فى بنى آدم، فلا تلزم فى غيرهم. انتهى.
* الرابعة: كأن يأتيه فى مثل صلصلة الجرس، و كان أشده عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقا فى اليوم الشديد البرد، حتى إن راحلته لتبرك به فى
[١] قلت: أخرجه بنحوه البخاري (٢) فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (٢٣٣٣) فى الفضائل، باب: عرق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى البرد و حين يأتيه الوحى، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-، و بخصوص تشبيهه بصورة دحية الكلبى فقد ورد ذلك أثناء حديث أخرجه مسلم (١٦٧) فى الإيمان، باب: الإسراء برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم- إلى السماوات، من حديث جابر، و لم أقف على لفظ المصنف من النسائى كما ذكر.
[٢] هو: أبو محمد، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، بدر الدين العينى، فقيه حافظ مؤرخ، توفى بالقاهرة سنة (٨٥٥ ه)، و كان من أقران الحافظ ابن حجر العالم المشهور، إلا أنه كان حنفى المذهب.