المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢١١ - مغازيه و سراياه و بعوثه- صلى اللّه عليه و سلم
قال: قد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا أن ما جئت به هو الحق، و أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة، فامض يا رسول اللّه لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، و ما نكره أن نلقى عدونا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل اللّه أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة اللّه تعالى.
فسر- صلى اللّه عليه و سلم- بقول سعد، و نشطه ذلك، ثم قال: «سيروا على بركة اللّه تعالى و أبشروا، فإن اللّه قد وعدنى إحدى الطائفتين، و اللّه لكأنى أنظر الآن إلى مصارع القوم» قال ثابت عن أنس- رضى اللّه عنه- قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «هذا مصرع فلان» و يضع يده على الأرض، هاهنا و هاهنا. قال فما ماط أحدهم- أى ما تنحى- عن موضع يده- عليه الصلاة و السلام- [١].
تنبيه: قال ابن سيد الناس فى «عيون الأثر»: روينا من طريق مسلم أن
[١] ذكره الحافظ ابن كثير فى «تفسيره» (٢/ ٢٨٩- ٢٩٠)، و فى «البداية و النهاية» (٢/ ٣٩٥) من طريق ابن إسحاق و أخرج البخاري (٣٩٥٢) منه من حديث ابن مسعود- رضى اللّه عنه- عنه يقول: شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- و هو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت و ربك فقاتلا، و لكنا نقاتل عن يمينك و عن شمالك و بين يديك و خلفك، فرأيت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- أشرق وجهه و سره يعنى قوله. و أخرجه مسلم (١٧٧٩) منه من حديث أنس أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان، قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول اللّه، و الذي نفسى بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، و لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا ... إلى آخر الحديث، إلا أن هناك إشكالا فى قول المتكلم سعد بن عبادة، و هو ممن لم يشهد بدرا و إن كان ممن ضرب له بسهم فيهم، و هنا يقول الحافظ ابن حجر فى «الفتح» (٧/ ٢٨٨): و يمكن الجمع بأن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- استشارهم فى غزوة بدر مرتين، الأولى و هو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبى سفيان و ذلك بين فى رواية مسلم، و لفظه: أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان و الثانية: كانت بعد أن فرج كما فى حديث الباب، و وقع عند الطبرانى أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، و هذا أولى بالصواب.