المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٥٤ - غزوة قرقرة الكدر
و عن ابن عباس قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل اللّه أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، و تأكل من ثمارها، و تأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و حسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع اللّه بنا لئلا يزهدوا فى الجهاد و لا ينكلوا عن الحرب، قال اللّه تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل اللّه عز و جل هذه الآيات وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا [١]» [٢].
قال بعض من تكلم على هذا الحديث: قوله: ثم تأوى إلى قناديل، يصدقه قوله تعالى وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ [٣] و إنما تأوى إلى تلك القناديل ليلا و تسرح نهارا، و بعد دخول الجنة فى الآخرة لا تأوى إلى تلك القناديل، و إنما ذلك فى البرزخ.
و قال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة و ليسوا فيها.
و قد رد هذا القول، و يشهد له ما وقع فى مسند ابن أبى شيبة و غيره:
أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق عند باب الجنة، فى قباب خضر يأتيهم رزقهم منها بكرة و عشيّا» [٤].
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: كأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم فى الجنة، و منهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، و قد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، و يغدى عليهم برزقهم هناك و يراح.
قال: و قد روينا فى مسند الإمام أحمد حديثا فيه بشرى لكل مؤمن بأن
[١] سورة آل عمران: ١٦٩.
[٢] حسن: أخرجه أبو داود (٢٥٢٠) فى الجهاد، باب: فى فضل الشهادة، و أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٦٥)، و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».
[٣] سورة الحديد: ١٩.
[٤] حسن: أخرجه أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٦٦)، و ابن حبان فى «صحيحه» (٤٦٥٨)، و الحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٨٤)، و الطبرانى فى «الأوسط» (١٢٣)، و فى «الكبير» (١٠/ ٣٣٣)، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما- بسند حسن.