المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٤ - آيات ولادته- صلى اللّه عليه و سلم
و احتج القفال لوجوبه: بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة، و يمنع صحة الصلاة، فيجب إزالتها.
و قال الفخر الرازى: «الحكمة من الختان، أن الحشفة قوية الحس، فما دامت مستورة تقوى اللذة عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة، و هو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعا لها، كما تفعل المانوية، فذلك إفراط و إبقاء القلفة تفريط، فالعدل الختان». انتهى.
و إذا قلنا بوجوب الختان، فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا، لما روى البخاري فى صحيحه عن ابن عباس أنه سئل: مثل من أنت حين قبض رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «و أنا يومئذ مختون و كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك» [١]. و قال بعض أصحابنا: يجب على الوالى أن يختن الصبى قبل البلوغ، و اللّه أعلم.
و قد اختلف فى عام ولادته- صلى اللّه عليه و سلم-:
فالأكثرون على أنه عام الفيل، و به قال ابن عباس، و من العلماء من حكى الاتفاق عليه، و قال: كل قول يخالفه و هم.
و المشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يوما، و إليه ذهب السهيلى فى جماعة.
و قيل: بعده بخمسة و خمسين يوما، و حكاه الدمياطى فى آخرين و قيل:
بشهر، و قيل بأربعين يوما.
و قيل: بعد الفيل بعشر سنين و قيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة، و قيل: غير ذلك.
و المشهور أنه بعد الفيل، لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوته، و تقدمة لظهوره و بعثته، و إلا فأصحاب الفيل- كما قاله ابن القيم- كانوا نصارى أهل كتاب، و كان دينهم خيرا من دين أهل مكة إذ ذاك، لأنهم كانوا عباد أوثان، فنصرهم اللّه تعالى على أهل الكتاب نصرا لا صنع للبشر فيه، إرهاصا و تقدمة للنبى الذي خرج من مكة، و تعظيما للبلد الحرام.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦٢٩٩) فى الاستئذان، باب: الختان بعد الكبر و نتف الإبط.