المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٧ - فصل فى ترتيب الدعوة النبوية
و قد ذكر العلماء، أن أبا بكر- رضى اللّه عنه- أفضل من مؤمن آل فرعون، لأن ذاك اقتصر حيث انتصر على اللسان، و أما أبو بكر فأتبع اللسان يدا، و نصر بالقول و الفعل محمدا- صلى اللّه عليه و سلم-.
و أخرج مسلم من حديث أبى هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر [١] محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم، فقال: و اللات و العزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، و لأعفرن وجهه بالتراب، فأتى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و هو يصلى ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا و هو ينكص [٢] على عقبيه، و يتقى بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إن بينى و بينه خندقا من نار، و هولا و أجنحة، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، و أنزل اللّه إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى [٣] إلى آخر السورة [٤].
و لما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ [٥] جاءت امرأة أبى لهب، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، لو تنحيت عنها فإنها امرأة بذية، قال: «سيحال بينى و بينها» فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك، قال: و اللّه ما ينطق بالشعر و لا يقوله، فاندفعت راجعة، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، ما رأتك، قال: «كان بينى و بينها ملك سترنى بجناحه حتى ذهبت». رواه ابن أبى شيبة و أبو نعيم.
و فى رواية البيهقي فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «قل لها: ترين عندى أحدا؟ فإنها لن ترانى».
و فى رواية أيضا: «كان- صلى اللّه عليه و سلم- يصلى عند الكعبة، و جمع من قريش فى مجالسهم، إذ قال قائل منهم: أ لا تنظرون إلى هذا المرائى، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها و دمها و سلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى
[١] أى: يسجد و يلصق وجهه بالتراب.
[٢] أى: يرجع ماشيا إلى الوراء.
[٣] سورة العلق: ٦- ١٩.
[٤] صحيح: أخرجه مسلم (٢٧٩٧) فى صفة القيامة، باب: قوله إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
[٥] سورة المسد: ١.