المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٧٥ - الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه
و فى الصحيحين من حديث ابن عباس: (قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «ممن القوم» قالوا: من ربيعة، قال: «مرحبا بالوفد غير خزايا و لا ندامى» فقالوا: يا رسول اللّه، إن بيننا و بينك هذا الحى من كفار مضر، و إنا لا نصل إليك إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمرنا فصل، نأخذ به و نأمر به من وراءنا، و ندخل به الجنة. قال: «آمركم بأربع و أنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان باللّه وحده، أ تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان، و أن تعطوا من المغنم الخمس، و أنهاكم عن أربع: عن الدباء و الحنتم و النقير و المزفت، فاحفظوهن و ادعوا إليهن من وراءكم») [١].
قال ابن القيم: ففى هذه القصة أن الإيمان باللّه مجموع هذه الخصال من القول و العمل، كما علي ذلك أصحاب رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و التابعون و تابعوهم كلهم، ذكر ذلك الشافعى فى المبسوط، و على ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب و السنة، و لم يعد الحج من هذه الخصال، و كان قدومهم فى سنة تسع، و هذا أحد ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد، و أنه إنما فرض فى العاشرة، و لو كان فرض لعده من الإيمان كما عد الصوم و الزكاة.
انتهى.
و قد كان لعبد القيس وفدتان:
إحداهما: قبل الفتح، و لهذا قالوا له- صلى اللّه عليه و سلم-: حال بيننا و بينك كفار مضر، و كان ذلك قديما، إما سنة خمس أو قبلها، و كانت قريتهم بالبحرين، و كان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلا، و قيل كانوا أربعة عشر راكبا، و فيها سألوه عن الإيمان، و عن الأشربة، و كان فيهم الأشج، و كان كبيرهم، و قال له صلى اللّه عليه و سلم-: «إن فيك خصلتين يحبهما اللّه، الحلم و الأناة» [٢]. رواه مسلم من حديث أبى سعيد.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٥٣) فى الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان، و مسلم (١٧) فى الإيمان، باب: الأمر بالإيمان باللّه تعالى و رسوله- صلى اللّه عليه و سلم- و شرائع الدين.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (١٧) (٢٥) فيما تقدم، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و ليس أبى سعيد كما ذكر المصنف.