المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٨٠ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
بدعوات، فساخت قوائم فرسه، و طلب الأمان، فقال: أعلم أن قد دعوتما على، فادعوا لى و لكما أن أراد الناس عنكما و لا أضركما. قال: فوقفا لى، فركبت فرسى حتى جئتهما، قال: و وقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فأخبرتهما أخبار ما يريد بهما الناس، و عرضت عليهما الزاد و المتاع فلم يرزآنى [١].
و اجتاز- صلى اللّه عليه و سلم- فى وجهه ذلك بعبد يرعى غنما، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقي بسنده عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- و أبو بكر مستخفيين، مرا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال: ما عندى شاة تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت عام أول، فما بقى بها لبن، فقال: ادع بها، فاعتقلها- صلى اللّه عليه و سلم- و مسح ضرعها، و دعا حتى أنزلت، و جاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعى، ثم حلب فشرب، فقال الراعى: باللّه من أنت، فو اللّه ما رأيت مثلك. فقال: أو تراك تكتم على حتى أخبرك؟ قال نعم، قال: فإنى رسول اللّه، فقال أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبى، و أن ما جئت به حق، و أنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى، و أنا متبعك، قال:
إنك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أنى قد ظهرت فائتنا.
قال الحافظ مغلطاى- بعد ذكره لقصة أم معبد-: و فى الإكليل قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد. قال الحاكم: فلا أدرى أ هي هى، أم غيرها.
و لما سمع المسلمون بالمدينة خروج رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودى نفسه فنادى بأعلى صوته يا بنى قيلة هذا
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٩٠٦) فى المناقب، باب: هجرة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه إلى المدينة، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.